88

تعريف المستدركات وبيان كم حال أحاديث  مستدرك الحاكم النيسابوري إذ كل الضعيف160.حديثا وقد احصاها الذهبي فقال 100 حديث وذكر ابن الجوزي في الضعفاء له 60 حديثا أُخر فيكون  كل الضعيف في كل المستدرك 160 حديثا من مجموع 8803=الباقي الصحيح =8743.فهذه قيمة رائعة لمستدرك الحاكم

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

السبت، 20 أغسطس 2022

مجلد3.و4.تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي.

 

3. : تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام.
تأليف: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي.

تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 620
(وقال كل صديق كنت آمله.......... لا ألهينك، إني عنك مشغول)

(خلوا طريق يديها لا أبا لكم.......... فكل ما قدر الرحمن مفعول)

(كل ابن أنثى وإن طالت سلامته.......... يوماً على آلة حدباء محمول)

(أنبئت أن رسول الله أوعدني.......... والعفو عند رسول الله مأمول)

(مهلاً رسول الذي أعطاك نافلة ال.......... قرآن، فيه مواعيظ وتفصيل)

(لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم.......... أذنب، ولو كثرت عني الأقاويل)

(لقد أقوم مقاماً لو يقوم به.......... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل)

(لظل يرعد إلا أن يكون له.......... من الرسول بإذن الله تنويل)

(حتى وضعت يميني لا أنازعه.......... في كف ذي نقمات قيله القيل)

(لذاك أخوف عندي إذ أكلمه.......... وقيل إنك منسوب ومسئول)

(من ضيغم من ليوث الأسد مسكنه.......... من بطن عثر غيل دونه غيل)

(إن الرسول لنور يستضاء به.......... مهند من سيوف الله مسلول)

(في فتية من قريش قال قائلهم.......... ببطن مكة لما أسلموا: زولوا)

(زالوا، فما زال أنكاس ولا كشف.......... عند اللقاء، ولا ميل معازيل)

(شم العرانين أبطال لبوسهم.......... من نسج داود في الهيجا سرابيل)

(يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم.......... ضرب إذا عرد السود التنابيل)

(لا يفرحون إذا نالت سيوفهم.......... قوماً، وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا)

(2/620)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 621
(لا يقع الطعن إلا في نحورهم.......... ومالهم عن حياض الموت تهليل)
وفي سنة ثمان: توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكبر بناته. وهي التي غسلتها أم عطية الأنصارية، وأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم حقوه، وقال: أشعرنها إياه. فجعلته شعارها تحت كفنها. وقد ولدت زينب من أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس، رضي الله عنه ابنتها أمامة التي كان) النبي صلى الله عليه وسلم يحملها في الصلاة. وفيها: عمل منبر النبي صلى الله عليه وسلم، فخطب عليه، وحن إليه الجذع الذي كان يخطب عليه. وفيها: ولد إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيها: وهبت سودة أم المؤمنين يومها لعائشة. وفيها: توفي مغفل بن عبد نهم بن عفيف المزني والد عبد الله وله صحبة.

(2/621)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 622
وفيها: مات ملك العرب بالشام الحارث بن أبي شمر الغساني، كافراً. وولي بعده جبلة بن الأيهم. فروى أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، عن ابن عائذ، عن الواقدي، عن عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر وهو بالغوطة، فسار من المدينة في ذي الحجة سنة ست. وقال: فأتيته فوجدته يهيء الإنزال لقيصر، وهو جاء من حمص إلى إيلياء إذ كشف الله عنه جنود فارس شكراً لله. فلما قرأ الكتاب رمى به وقال: ومن ينزع مني ملكي أنا سائر إليه بالناس. ثم عرض إلى الليل، وأمر بالخيل تنعل، وقال: أخبر صاحبك بما ترى. فصادف قيصر بإيلياء وعنده دحية الكلبي بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكتب قيصر إليه: أن لا تسير إليه، واله عنه، وواف إيلياء. قال شجاع: فقدمت، وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: باد ملكه. ويقال: حج بالناس عتاب بن أسيد أمير مكة. وقيل: حج الناس أوزاعاً. حكاهما الواقدي. والله أعلم.

(2/622)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 623
1 (أحداث السنة التاسعة)

(سرية الضحاك إلي القرطاء)
قيل: في ربيع الأول بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً إلى القرطاء، عليهم الضحاك بن سفيان الكلابي، ومعه الأصيد بن سلمة بن قرط. فلقوهم بالزج، زج لاوة. فدعوهم إلى الإسلام، فأبوا. فقاتلوهم فهزموهم. فلحق الأصيد أباه سلمة، فدعاه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسبه وسب دينه. فعرقب الأصيد عرقوبي فرسه. ثم جاء رجل من المسلمين فقتل سلمة. ولم يقتله ابنه.
(سرية علقمة بن مجزز المدلجي)
وفي ربيع الآخر، قيل إن رسول الله بلغه أن ناساً من الحبشة

(2/623)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 624
تراءاهم أهل جدة. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم علقمة بن مجزز المدلجي في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر، فهربوا منه.
(سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس)
وفي ربيع الآخر سرية على بن أبي طالب إلى الفلس صنم طيء ليهدمه. في خمسين ومائة رجل من الأنصار، على مائة بعير وخمسين فرساً، ومعه راية سوداء، ولواء أبيض. فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفلس وخربوه، وملأوا أيديهم من السبي والنعم والشاء. وفي السبي أخت عدي بن حاتم. وهرب عدي إلى الشام.
(سرية عكاشة إلى أرض عذرة)
وفي هذه الأيام كانت سرية عكاشة بن محصن إلى أرض عذرة. ذكر هذه السرايا شيخنا الدمياطي في مختصر السيرة. وأظنه أخذه من كلام الواقدي. وفي رجب: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل مسيره إلى تبوك على أصحمة

(2/624)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 625
النجاشي، رضي الله عنه صاحب الحبشة. وأصحمة بالعربي: عطية. وكان قد آمن بالله ورسوله. قول النبي صلى الله عليه وسلم: قد مات أخ لكم بالحبشة. فخرج بهم إلى المصلى، وصفهم، وصلى عليه. قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، قالت: لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.) ويكتب هنا الخبر الذي في السيرة قبل إسلام عمر.

(2/625)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 626

(2/626)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 627
(غزوة تبوك)
قال ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما كان يخرج في غزوة إلا أظهر أنه يريد غيرها، إلا غزوة تبوك فإنه قال: أيها الناس، إني أريد الروم. فأعلمهم. وذلك في شدة الحر وجدب من البلاد. وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في جهازه، إذ قال للجد بن قيس: يا جد، هل لك في بنات بني الأصفر فقال: يا رسول الله، لقد علم قومي أنه ليس أحد أشد عجباً بالنساء مني. وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يفتني، فائذن لي يا رسول الله. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: قد أذنت لك. فنزلت ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في

(2/627)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 628
الفتنة سقطوا قال: وقال رجل من المنافقين: لا تنفروا في الحر. فنزلت: قل نار جهنم أشد حراً. ولم ينفق أحد أعظم من نفقة عثمان، وحمل على مائة بعير. روى عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، في غزوة تبوك قال: أمر النبي المسلمين بالصدقة والنفقة في سبيل الله، فأنفقوا احتساباً. وأنفق رجال غير محتسبين. وحمل رجال من فقراء المسلمين، وبقي أناس. وأفضل ما تصدق به يومئذ أحد عبد الرحمن بن عوف تصدق بمائتي أوقية، وتصدق عمر بمائة أوقية، وتصدق عاصم الأنصاري بتسعين وسقاً من تمر. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن: هل تركت لأهلك شيئاً قال: نعم، أكثر مما أنفقت وأطيب. قال: كم قال: ما ود الله ورسوله من الرزق والخير. قال عمرو بن مرزوق، ثنا السكن بن أبي كريمة، عن الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خباب، قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحث على جيش العسرة، قال: فقام عثمان رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. فقال: ثم حث

(2/628)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 629
ثانية فقام عثمان فقال: يا رسول الله، علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. ثم حض، أو قال: حث، الثالثة، فقام عثمان فقال: يا رسول الله، علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. قال عبد الرحمن أنا شهدت رسول الله صلى) الله عليه وسلم وهو يقول على المنبر: ما على عثمان ما عمل بعد اليوم. أو قال: بعدها. رواه أبو داود الطيالسي وغيره، عن السكن بن المغيرة. وقال ضمرة، عن ابن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن مولاه، قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة، ففرغها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يقبلها ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم. قالها مراراً. وقال بريد، عن أبي بردية، عن أبي موسى، قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان، إذ هم معه في جيش العسرة وهي غزوة تبوك. وذكر الحديث. متفق عليه. وقال ابن إسحاق: ثم إن رجالاً أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاءون،

(2/629)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 630
وهم سبعة من الأنصار: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، وعمرو بن الحمام بن الجموح، وعبد الله بن المغفل وبعضهم يقول: عبد الله بن عمرو المزني وهرم بن عبد الله، والعرباض ابن سارية الفزاري. استحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا أهل حاجة، فقال: لا أجد ما أحملكم عليه. تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون. فبلغني أن يامين بن عمرو، لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهم يبكيان فقال: ما يبكيكما فقالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج. فأعطاهما ناضحاً له فارتحلاه وزودهما شيئاً من لبن. وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله، ثم بكى وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في مال أو جسد أو عرض. ثم أصبح مع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين المتصدق هذه الليلة فلم يقم أحد. ثم قال: أين المتصدق فليقم. فقام إليه فأخبره. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر، فوالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة.

(2/630)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 631
وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فاعتذروا فلم يعذرهم الله. فذكر أنهم نفر من بني) غفار. قال: وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تخلفوا عن غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك أخو بني سلمة، ومرارة بن الربيع أحد بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بني واقف، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف. وكانوا رهط صدق. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخميس، واستخلف على المدينة محمد ابن مسلمة الأنصاري. فلما خرج ضرب عسكره على ثنية الوداع، ومعه زياد على ثلاثين ألفاً من الناس. وضرب عبد الله بن أبي بن سلول عسكره على ذي حدة أسفل منه، وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين. فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخلف عنه ابن سلول فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب. وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، فارجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالاً له وتخففاً منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نازل بالجرف، فقال: يا رسول الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني تستثقلني وتخفف مني. قال: كذبوا، ولكن خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي. فرجع إلى المدينة.

(2/631)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 632
وأخرجاه في الصحيحين من حديث الحكم بن عيينة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. فقال: يا رسول الله، أتخلفني في النساء والصبيان قال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي. ورواه عامر، وإبراهيم، ابنا سعد بن أبي وقاص، عن أبيهما. قال ابن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، جعل لا يزال يتخلف الرجل فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان. فيقول: دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه. حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره، فقال: دعوه، إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه. فتلوم أبو ذر بغيره فلما) بطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشياً. ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، ونظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر. فلما تأمله القوم قالوا: هو والله أبو ذر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده. فضرب الدهر من ضربه، وسير أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه: إذا مات فاغسلاني وكفناني وضعاني

(2/632)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 633
على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر. فلما مات فعلوا به ذلك. فاطلع ركب، فما علموا به حتى كادت ركائبهم توطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة. فقال: ما هذا فقيل: جنازة أبي ذر. فاستهل ابن مسعود يبكي، فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده. فنزل، فوليه بنفسه حتى أجنه. وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، أن أبا خيثمة، أحد بني سالم، رجع بعد مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في حائط قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاماً. فلما دخل قام على باب العريشين فقال: رسول الله في الضح والريح والحر، وأنا في ظل بارد وماء بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء، في مال مقيم ما هذا بالنصف. ثم قال: لا، والله، لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئا لي زاداً. ففعلتا. ثم قدم ناضحه فارتحله. ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أدركه بتبوك حين نزلها. وقد كان أدركه عمير بن وهب في الطريق فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير: إن لي ذنباً، تخلف عني حتى آتي رسول الله. ففعل. فسار حتى دنا من رسول الله. فقال رسول الله: كن أبا خيثمة. فقالوا: هو والله أبا خيثمة، فأقبل وسلم، فقال له: أولى لك أبا خيثمة. ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال له خيراً.

(2/633)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 634
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة. وقاله موسى بن عقبة. فذكر نحواً من سياق ابن إسحاق. وقال معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: في قوله تعالى: اتبعوه في ساعة العسرة،) قال: خرجوا في غزوة تبوك، الرجلان والثلاثة على بعير، وخرجوا في حر شديد، فأصابهم يوماً عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم ليعصروا أكراشها ويشربوا ماءها. وقال مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير، فنفدت أزواد القوم، حتى هم أحدهم بنحر بعض حمائلهم. الحديث. رواه مسلم. وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد شك الأعمش قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاع، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فننحر نواضحنا، فأكلنا وادهنا. فقال: أفعل. فجاء عمر فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر، ولكن ادع بفضل أزوادهم، وادع الله لهم فيها بالبركة. فقال: نعم. فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوداهم. فجعل الرجل يأتي بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة، ثم قال لهم: خذوا في أوعيتكم. فأخذوا حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك،

(2/634)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 635
فيحجب عن الجنة. أخرجه مسلم. وقال عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، أنه قيل لعمر رضي الله عنه: حدثنا من شأن العسرة. فقال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيراً فادع الله لنا. قال: أتحب ذلك قال: نعم. فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأطلت ثم سكبت، فملأوا ما معهم. ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. حديث حسن قوي. وقال مالك، وغيره، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم مثل ما أصابهم يعني أصحاب الحجر. وقال سليمان بن بلال، أنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: لما نزل رسول الله صلى الله) عليه وسلم الحجر، أمرهم أن لا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها. فقالوا: قد عجنا منها واستقينا. فأمرهم أن يطرحوا ذلك.

(2/635)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 636
العجين ويريقوا ذلك الماء. أخرجهما البخاري. ولمسلم مثل الأول منهما. وقال عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله: أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر، فاستقوا من آبارها وعجنوا به. فأمرهم أن يهريقوا الماء، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت الناقة تردها. أخرجه مسلم. وقال مالك، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. قال: فأخر الصلاة يوماً، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً. ثم قال: إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي. قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء. فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل مسستما من مائها شيئاً قالا: نعم. فسبهما، وقال لهما ما شاء الله أن يقول. ثم عرفوا من العين قليلاً قليلاً، حتى اجتمع في شن ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه، ثم أعاده فيها. فجرت العين

(2/636)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 637
بماء كثير، فاستقى الناس. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك يا معاذ، أن طالت بك حياة، أن ترى ما هاهنا قد مليء جناناً. أخرجه مسلم. وقال سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى، عن عباس بن سهل، عن أبي حميد، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأتينا وادي القرى، على حديقة لامرأة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخرصوها. فخرصناها وخرصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق. وقال: أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله. فانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستهب عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله. فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء. وجاء ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى له برداً. ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي) القرى، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها، فقال: بلغ عشرة أوسق. فقال: إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع. فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة. فقال: هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه. أخرجه مسلم أطول منه وللبخاري نحوه. وقال ابن إسحاق: حدثني عبد لله بن أبي بكر، عن عباس بن سهل: أن رسول لله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر استقوا من بئرها. فلما

(2/637)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 638
راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشربوا من مائها، ولا توضأوا منه، وما كان من عجين عجنتموه منه فاعلفوه الإبل، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له. ففعل الناس ما أمرهم، إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته والآخر لطلب بعير له. فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الآخر فاحتملته الريح حتى طرحته بجبل طيء. فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم أنهكم ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي. وأما الآخر فإنه وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم من تبوك. وهذا مرسل منكر. وقال ابن وهب: أخبرني معاوية عن سعيد بن غزوان، عن أبيه: أنه نزل بتبوك وهو حاج، فإذا رجل مقعد، فسألته عن أمره، فقال: سأحدثك حديثاً فلا تحدث به ما سمعت أني حي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة، فقال: هذه قبلتنا. ثم صلى إليها. فأقبلت، وأنا غلام، أسعى حتى مررت بينه وبينها، فقال: قطع صلاتنا، قطع الله أثره. قال: فما قمت عليها إلى يومي هذا. وقال سعيد بن عبد العزيز، عن مولى ليزيد بن نمران، عن يزيد بن نمران، قال: رأيت مقعداً بتبوك. فقال: مررت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار وهو يصلي. فقال: اللهم اقطع أثره. فما مشيت عليهما بعد. أخرجهما أبو داود. وقال يزيد بن هارون، أنا العلاء أبو محمد الثقفي، سمعت أنس بن مالك، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك، فطلعت الشمس بضياء وشعاع

(2/638)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 639
ونور لم أرها طلعت فيما مضى. فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا جبريل، مالي أرى الشمس اليوم بضياء ونور شعاع لم أرها طلعت فيما مضى فقال: ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: وفيم ذاك قال: كان يكثر قراء قل هو الله أحد، بالليل والنهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن) أقبض لك الأرض فتصلي عليه قال: نعم قال: فصلى عليه، ثم رجع. العلاء منكر الحديث واه ورواه الحسن الزعفراني، عن يزيد. وقال يونس بن محمد، ثنا صدقة بن أبي سهل، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، أن معاوية بن معاوية المزني توفي والنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأتاه جبريل فقال: هل لك في جنازة معاوية المزني قال: نعم. فقال: هكذا ففرج له الجبال والآكام. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي ومعه جبريل في سبعين ألف ملك، فصلى عليه. فقال: يا جبريل، بم بلغ فقال: بكثرة قراءة قل هو الله أحد، كان يقرؤها قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً. مرسل. وقال ابن جوصا، وعلي بن سعيد الرازي، وأبو الدحداح أحمد بن محمد واللفظ له ثنا نوح بن عمرو بن حوي السكسكي، ثنا بقية، ثنا محمد

(2/639)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 640
ابن زياد الآلهاني، عن أبي أمامة، قال: نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بتبوك فقال: أحضر جنازة معاوية بن معاوية المزني. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهبط جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة عليهم السلام، فوضع جناحه على الجبال فتواضعت حتى نظروا إلى مكة والمدينة. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل والملائكة. فلما قضى صلاته قال: يا جبريل، بم أدرك معاوية بن معاوية هذه المنزلة من الله عز وجل قال: بقراءة قل هو الله أحد قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً. قلت: ما علمت في نوح جرحاً، ولكن الحديث منكر جداً، ما أعلم أحداً تابعه عليه أصلاً عن بقية. وقد أورد ابن حبان حديث العلاء وقال: حديث منكر لا يتابع عليه. قال: ولا أحفظ في الصحابة من يقال له معاوية بن معاوية. وقد سرق هذا الحديث شيخ من أهل الشام، ورواه عن بقية، عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة الباهلي. وقال عثمان بن الهيثم المؤذن، ثنا محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس، قال: جاء جبريل فقال: يا محمد، مات معاوية بن معاوية المزني، أفتحب أن تصلي عليه قال: نعم. فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت له. فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك. قلت: يا جبريل، بم نال، هذا قال: بحبه قل هو الله أحد يقرؤها قائماً وقاعداً وذاهباً وجائياً، وعلى كل حال. محبوب مجهول، لا يتابع على هذا.

(2/640)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 641
قال البكائي: قال ابن إسحق: فلما أصبح الناس، يعني من يوم الحجر، ولا ماء معهم، دعا) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل الله سحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس. فحدثني عاصم، قال: قلت لمحمود بن لبيد: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم قال: نعم والله، لقد أخبرني رجال من قومي، عن رجل من المنافقين لما كان من أمر الحجر ما كان ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا فأرسل الله السحابة، فأمطرت. قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك، هل بعد هذا شيء قال: سحابة سائرة. قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار، فضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها. وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه يقال له عمارة بن حزم، وكان عقبياً بدرياً. وكان في رحله زيد بن اللصيت القينقاعي وكان منافقً. فقال زيد، وهو في رحل عمارة: أليس يزعم محمد أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمارة عنده: إن رجلاً قال كذا وكذا. وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله. وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شعب كذا، وقد حبستها شجرة بزمامها. فذهبوا فجاؤوا بها. فذهب عمارة إلى رحله فقال: والله عجب من شيء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفاً، عن مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد، والله، قال هذه المقالة قبل أن يأتي. فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه، ويقول: أي عباد الله، إن في رحلي لداهية وما أشعر. أخرج أي عدو الله من رحلي.

(2/641)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 642
فزعم بعضهم أن زيداً تاب بعد ذلك. قال ابن إسحاق: وقد كان رهط، منهم وديعة بن ثابت، ومخشن بن حمير يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال إرجافاً وترهيباً للمؤمنين. فقال مخشن بن حمير: والله لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل منا مائة جلدة، وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني، لعمار بن ياسر: أدرك القوم، فإنهم قد اخترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا. فما نطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون. فقال وديعة بن ثابت: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونعلب. فنزلت: ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته) ورسوله كنتم تستهزئون. فقال مخشن بن حمير: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي. فكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشن يعني إن نعف عن طائفة منك. فتسمى عبد الرحمن، فسأل الله أن يقتله شهيداً لا يعلم بمكانه. فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر.

(2/642)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 643
ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، أتاه يحنة بن روبة صاحب أيلة، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية. وكبت لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً، فهو عندهم.
(فائدة)
قال ابن إسحاق: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل أيلة بردة مع كتابه، فاشتراها منهم أبو العباس عبد الله بن محمد يعني السفاح بثلاثمائة دينار. وقال موسى بن عقبة، قال ابن شهاب: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته تلك تبوكاً ولم يتجاوزها. وأقام بضع عشرة ليلة يعني بتبوك. وقال يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة. أخرجه أبو داود. وإسناده صحيح.

(2/643)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 644

(2/644)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 645
(بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة)
وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة، وكان ملكاً على دومة وكان نصرانياً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر. فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه منظر العين في ليلة مقمرة صافية، وهو على سطح ومعه امرأته، فأتت البقر تحك بقرونها باب القصر. فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط قال: لا والله. قالت: فمن يترك مثل هذا قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأسرج، وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخوه حسان. فتلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذته وقتلوا أخاه. وقدموا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقن دمه وصالحه على الجزية، وأطلقه.

(2/645)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 646
(فائدة)
قال عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن أبيه، عن قيس بن النعمان السكوني قال: خرجت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع بها أكيدر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بلغنا أن) خيلك انطلقت فخفت على أرضي، فاكتب لي كتاباً فإني مقر بالذي علي. فكتب له. فأخرج قباء من ديباج مما كان كسرى يكسوهم، فقال: يا محمد أقبل عني هذا هدية. قال: ارجع بقبائك فإنه ليس يلبس هذا أحد إلا حرمه في الآخرة. فشق عليه أن رده. قال: فادفعه إلى عمر. فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أحدث في أمر فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى وضع يده، أو ثوبه، على فيه ثم قال: ما بعثت به إليك لتلبسه، ولكن تبيه وتستعين بثمنه. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: ولما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً إلى المدينة، بعث خالداً في أربعمائة وعشرين فارساً إلى أكيدر دومة الجندل، فلما عهد إليه عهده، قال خالد: يا رسول الله، كيف بدومة الجندل وفيها أكيدر، وإنما نأتيها في عصابة من المسلمين فقال: لعل الله يكفيكه. فسار خالد، حتى إذا دنا من دومة نزل في أدبارها. فبينما هو وأصحابه في منزلهم ليلاً، إذ أقبلت البقر حتى جعلت تحتك بباب الحصن، وأكيدر يشرب ويتغنى بين امرأتيه. فاطلعت إحداهما فرأت البقر فقالت: لم أر كالليلة في اللحم. فثار وركب فرسه، وركب غلمته وأهله، فطلبها. حتى مر بخالد وأصحابه فأخذوه ومن معه فأوثقوهم. ثم قال خالد لأكيدر: أرأيت إن أجرتك تفتح لي دومة قال: نعم. فانطلق حتى دنا منها، فثار أهلها وأرادوا أن يفتحوا له، فأبى عليهم أخوه. فلما رأى ذلك قال لخالد: أيها الرجل،

(2/646)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 647
حلني، فلك الله لأفتحنها لك، إن أخي لا يفتحها ما علم أني في وثاقك. فأطلقه خالد. فلما دخل أوثق أخاه وفتحها لخالد، ثم قال: اصنع ما شئت حكمتني. فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت. فأعطاهم ثمانمائة من السبي وألف بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح. وأقبل خالد بأكيدر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل معه يحنة بن روية عظيم أيلة. فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشفق أن يبعث إليه كما بعث إلى أكيدر. فاجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاضاهما على قضيته على دومة وعلى تبوك وعلى أيلة وعلى تيماء، وكتب لهم كتاباً. ورجع قافلاً إلى المدينة. ثم ذكر عروة قصة في شأن جماعة من المنافقين هموا بأذية رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلعه الله على كيدهم. وذكر بناء مسجد الضرار. وقال ابن إسحاق، عن ثقة من بني عمرو بن عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل) من تبوك حين نزل بذي أوان بينه وبين المدينة ساعة من نهار. وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه، وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتي فتصلي لنا فيه. فقال: إني على جناح سفر، فلو رجعنا إن شاء الله أتيناكم. فلما نزل

(2/647)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 648
رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي أوان، أتاه خبر السماء، فدعا مالك بن الدخشم ومعن ابن عدي فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وأحرقاه. فخرجا سريعين حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه. ونزل فيه من القرآن ما نزل. وقال أبو الأصبغ عبد العزيز بن يحيى الحراني: ثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة، قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار يسوقه أو قال عمار يقوده وأنا أسوقه حتى ذا كنا بالعقبة، فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها، فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرخ بهم فولوا مدبرين. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل عرفتم القوم قلنا: لا، قد كانوا ملثمين. قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، أرادوا أن يزحموني في العقبة لأقع. قلنا: يا رسول الله، أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم قال: لا، أكره أن يتحدث العرب أن محمداً قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل علهم فقتلهم. ثم قال: اللهم ارمهم بالدبيلة. قلنا: يا رسول الله، وما الدبيلة قال: شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدها فيهلك. وقال قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس بن عباد، في حديث ذكره عن

(2/648)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 649
عمار بن ياسر، أن حذيفة حدثه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: في أصحابي اثنا عشر منافقاً، فمنهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط. أخرجه مسلم. وقال عبد الله بن صالح المصري، ثنا معاوية بن صالح، عن علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: والذين اتخذوا مسجداً ضراراً، قال: أناس بنوا مسجداً فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجند من الروم، فأخرج محمداً وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نحب أن تصلي فيه. فنزلت لا تقم فيه أبداً. الآيات. وقال ابن عيينة، عن الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: أذكر أنا، حين قدم رسول الله صلى) الله عليه وسلم من غزوة تبوك، خرجنا مع الصبيان نتلقاه إلى ثنية الوداع. أخرجه البخاري. وقال غير واحد، عن حميد، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك ودنا من المدينة قال: إن بالمدينة لأقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد، إلا كانوا معكم فيه. قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة قال: نعم، حبسهم العذر. أخرجه البخاري.

(2/649)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 650

(2/650)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 651
(أمر الذين خلفوا)
قال شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب: أن بني قريظة كانوا حلفاء، لأبي لبابة. فاطلعوا إليه، وهو يدعوهم إلى حكم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا لبابة، أتأمرنا أن ننزل فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. فأخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال له: لم ترعبني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسبت أن الله غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك فلبث حيناً ورسول الله صلى الله عليه وسلم عاتب عليه. ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوكاً، فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف. فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه أبو لبابة يسلم عليه، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة، التي عند باب أم سلمة، سبعاً بين يوم وليلة، في حر شديد، لا يأكل فيهن ولا يشرب قطرة. وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله علي. فلم يزل كذلك حتى يسمع الصوت من الجهد. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه بكرة وعشية. ثم تاب الله عليه فنودي: إن الله قد تاب عليك. فأرسل إليه ليطلق عنه رباطه، فأبى أن يطلقه عنه أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاءه فأطلق عنه بيده. فقال أبو

(2/651)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 652
لبابة حين أفاق: يا رسول الله، إني أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأنتقل إليك فأساكنك، وإني أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله. فقال: يجزيء عنك الثلث. فهجر دار قومه وتصدق بثلث ماله، ثم تاب فلم ير منه بعد ذلك في الإسلام إلا خير، حتى فارق الدنيا. مرسل. وقال ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: اعترفوا بذنوبهم قال: هو أبو لبابة، إذ قال لقريظة ما قال، وأشار إلى حلقه بأن محمداً يذبحكم إن نزلتم على حكمه. وزعم محمد بن إسحاق أن ارتباطه كان حينئذ. ولعه ارتبط مرتين. وقال عبد الله بن صالح: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:) وآخرون اعترفوا بذنوبهم قال: كانوا عشرة رهط تخلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. فلما حضر رجوع رسول لله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم. فلما رآهم قال: من هؤلاء قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم. قال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو لذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين. فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا. فأنزلت وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم عسى من الله واجب. فلما نزلت، أرسل إليهم فأطلقهم وعذرهم. ونزلت إذ بذلوا أموالهم: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها. وروى نحوه عطية العوفي، عن ابن عباس.

(2/652)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 653
وقال عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن أباه قال: سمعت كعباً يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك. غير أني تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب الله أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر: يعني أذكر في الناس منها. كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا ايسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها. حتى كانت تلك الغزوة غزاها في حر شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً وعدواً كثيراً: فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، وأخبرهم بوجهه الذي كان يريد. والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان. قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له ما لم ينزل فيه وحيز وغزا رسول لله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر. فتجهز والمسلمون معه.)

(2/653)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 654
وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم ولم أقض شيئاً. وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردته. فلم يزل يتمادى بي الأمر حتى استمر بالناس الجد. فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً. فقلت: أتجهز بعده يوماً أو يومين ثم ألحقهم. فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئاً، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئاً. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك. فكنت إذا خرجت في الناس أحزنني أني لا أرى رجلاً مغموصاً من النفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء. فلم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، قال وهو جالس في القوم: ما فعل كعب بن مالك فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك، حضرني همي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غداً وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل، وعرفت أني لا أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه. وأصبح قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً. فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. فجئته فلما سلمت عليه

(2/654)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 655
تبسم تبسم المغضب ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال: ما خلفك ألم تكن ابتعت ظهرك فقلت: بلى، يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً. ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثاً كاذباً ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو عفو الله. والله ما كان لي من عذر، ووالله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وثار رجال من بني سلمة فقالوا: لا والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، أعجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، قد كان كافيك لذنبك) استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. فوالله ما زالوا يونبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي. ثم قلت: هل لقي هذا معي أحد قالوا: نعم، رجلان قلا مثل ما قلت. وقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: من هما فقالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً، فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه. واجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيتهما. وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، فلا يكلمني أحد. وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو

(2/655)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 656
في مجلسه بعد الصلاة فأسلم عليه فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم أصلي فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال علي ذلك من جفوة المسلمين تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه، فوالله ما رد. فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسول قال فسكت، فعدت له فسكت، فناشدته الثالثة فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي. وتوليت حتى تسورت الجدار. قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له إلي. حتى إذا جاءني دفع إلي كتاباً من ملك غسان وكنت كاتباً فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك. ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة. فالحق بنا نواسك. فقلت: وهذا أيضاً من البلاء. فتيممت به التنور فسجرته به. حتى إذا مضى لنا أربعون ليلة من الخميس إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن رسول يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل بها فقال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها. وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله هذا الأمر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال رسول الله فقال: إن هلالاً شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه فقال: لا، ولكن لا يقربنك. قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومي هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله في) امرأتك فقلت: لا والله، وما يدريني ما يقول لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن استأذنته فيها، وأنا

(2/656)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 657
رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة. فلما أن صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع: يا كعب بن مالك، أبشر. فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء الفرج. وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله عليه، حين صلى صلاة الفجر. فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون. وركض رجل إلي فرساً، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع إلي من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت ثوبي وكسوتهما إياه ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ. واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه بالسرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال: لا، بل من عند الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بشر ببشارة يبرق وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى الرسول. قال: أمسك بعض مالك فهو خير لك. فقت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت. فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين ابتلاه الله تعلى في صدق الحديث أحسن مما ابتلاني، ما تعمدت مذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. وأنزل الله تعالى على رسوله: لقد تاب الله على

(2/657)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 658
النبي والمهاجرين والأنصار إلى قوله: اتقوا الله وكونا مع الصادقين. فوالله ما أنعم الله علي من نعمة، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله تعالى قال للذين كذبوه، حين نزل الوحي، شر ما قال لأحد فقال: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم) جزاء بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين. قال كعب: وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خلفوا له، وأرجأ أمرنا حتى قضى الله فيه. فبذلك قال تعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وليس الذي ذكر الله تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن تخلف واعتذر، فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه.

(2/658)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 659
(موت عبد الله بن أبي)
قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي يعوده في مرضه الذي مات فيه، فلما عرف فيه الموت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله إن كنت لأنهاك عن حب يهود. فقال: قد أبغضهم أسعد بن زرارة، فمه وقال الواقدي: مرض عبد الله بن أبي بن سلول في أواخر شوال، ومات في ذي القعدة. وكان مرضه عشرين ليلة. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فيها. فلما كان اليوم الذي مات فيه. دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه فقال: قد نهيتك عن حب يهود. فقال: قد أبغضهم أسعد فما نفعه ثم قال: يا رسول الله، ليس هذا بحين عتاب. وهو الموت، فإن مت فاحضر غسلي، وأعطني قميصك أكفن فيه، وصل علي واستغفر لي.

(2/659)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 660
هذا حديث معضل واه، لو أسنده الواقدي لما نفع، فكيف وهو بلا إسناد وقال ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر عبد الله بن أبي بعدما أدخل حفرته فأمر به فأخرج، فوضع على ركبتيه، أو فخذيه، فنفث عليه من ريقه وألبسه قميصه. والله أعلم. متفق عليه. وقال أبو أسامة، وغيره: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما توفي عبد الله بن أبي، أتى ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه، فأعطاه. ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليه، فقام عمر فأخذ ثوبه فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك الله عنه قال: إن ربي خيرني، فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم،) وسأزيد على السبعين. فقال إنه منافق. قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله. متفق عليه. وفيها: قتل عروة بن مسعود الثقفي، وكان سيداً شريفاً من عقلاء

(2/660)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 661
العرب ودهاتهم، ودعا قومه إلى الإسلام فقتلوه. فيروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثله مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله فقتلوه. وفيها: توفيت السيدة أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، زوجة عثمان رضي الله عنهما. وفيها: توفي عبد الله ذو البجادين رضي الله عنه، ودفن بتبوك، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأثنى عليه ونزل في حفرته، وأسنده في لحده. وقال: اللهم إني أمسيت عنه راضياً، فارض عنه. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، قال: كان عبد الله ذو البجادين من مزينة. وكان يتيماً في حجر عمه، وكان يحسن إليه. فلما بلغه أنه قد أسلم قال: لئن فعلت لأنزعن منك جميع ما أعطيتك. قال: فإني مسلم. فنزع كل شيء أعطاه، حتى جرده ثوبه. فأتى أمه، فقطعت بجاداً لها باثنين، فأئتزر نصفاً وارتدى نصفاً. ولزم باب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان يرفع صوته بالقرآن والذكر. وتوفي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وفيها: قدم وفد ثقيف من الطائف، فأسلموا بعد تبوك، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً.

(2/661)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 662
وفيها: مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك، مات سهيل بن بيضاء، أخو سهل بن بيضاء، وهي أمهما، واسمها دعد بنت جحدم. وأما أبوه فوهب بن ربيعة الفهري. ولسهيل صحبة ورواية حديث، وهو حديث يحيى بن أيوب المصري، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن سعيد بن الصلت، عن سهيل بن بيضاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة. وليحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم، نحوه. وأما الدرا وردي فقال: عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن سعيد ابن الصلت، عن عبد الله بن أنيس. وهذا متصل عن سهيل. إذ سعيد بن الصلت تابعي كبير لا يمكنه أن يسمع من) سهيل. ولو سمع منه لسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكان صحابياً. لكن المرسل أشهر. وكان سهيل بن بيضاء من السابقين الأولين، شهد بدراً وغيرها. وكذلك أخوه سهل، وقد توفي أيضاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ حميد، عن أنس، قال: كان أبو عبيدة، وأبي بن كعب، وسهيل بن بيضاء، عند أبي طلحة، وأنا أسقيهم، حتى كاد الشراب أن يأخذ فيهم. ثم ذكر تحريم الخمر بطوله. وقال ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: لما توفي سعد: أدخلوه المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها، فقالت: والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد سهيل وسهل.

(2/662)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 663
وقال فيه غير الضحاك: ما أسرع ما نسوا لقد صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد. وفيها: توفي زيد بن سعنة بالياء وبالنون، وبالنون أشهر وهو أحد الأحبار الذين أسلموا. وكان كثير العلم والمال. وخبر إسلامه رواه الوليد بن مسلم، عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده عبد الله، قال: لما أراد الله هدي زيد بن سعنة، قال: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد حين نظرت إليه، إلا شيئين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله ولا يزيده شدة الجهل إلا حلماً. وذكر الحديث بطوله. وهو في الطوالات للطبراني. وآخره: فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. وآمن به وتابعه، وشهد معه مشاهد. وتوفي في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبراً. والحديث غريب، من الأفراد. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: وفيها قتلت فارس ملكهم شهرا برز بن شيرويه، وملكوا عليهم بوران بنت كسرى. وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة.

(2/663)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 664
وفيها: توفي عبد الله بن سعد بن سفيان الأنصاري، من بني سالم بن عوف. كنيته أبو سعد. شهد أحداً والمشاهد. وتوفي منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك. فيقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كفنه في قميصه. وفيها: في هذه المدة: توفي زيد بن مهلهل بن زيد أبو مكنف الطائي، فارس طيء. وهو أحد المؤلفة قلوبهم. أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم مائة من الإبل، وكتب له بإقطاع. وكان يدعى) زيد الخيل، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير. ثم إنه رجع إلى قومه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن ينج زيد من حمى المدينة. فلما انتهى إلى نجد أصابته الحمى ومات. وفيها: حج بالناس أبو بكر الصديق بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على الموسم في أواخر ذي القعدة ليقيم للمسلمين حجهم. فنزلت براءة إثر خروجه. وفي أولها نقض ما بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه. قال ابن إسحاق: فخرج علي، رضي الله عنه، ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك أبا بكر بالطريق. فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور قال: لا، بل مأمور. ثم مضيا. فأقام أبو بكر للناس حجهم، حتى إذا كان يوم النحر، قام علي عند الجمرة فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يحج بعد

(2/664)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 665
العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وكمن كان له عهد عند سول الله صلى الله عليه وسلم فهو له إلى مدته. وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مآمنهم من بلادهم. ثم لا عهد لمشرك. وقال عقيل، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة. قال: فأذن فعنا علي في أهل مني يوم النحر ببراءة، أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. أخرجه البخاري. وأخرجاه من حديث يونس، عن الزهري. وقال سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر وأتبعه علياً. فذكر الحديث. وفيه: فكان علي نادي بها، فإذا بح قام أبو هريرة فنادى بها. وقال أبو إسحاق السبيعي، عن زيد بن يثيع، قال: سألنا علياً رضي الله عنه: بأي شيء بعث في ذي الحجة قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة

(2/665)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 666
إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مؤمن وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد، فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر.)

(2/666)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 667
(ذكر قدوم وفود العرب)

(قدوم عروة بن مسعود الثقفي)
قال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: فلما صدر أبو بكر وعلي، رضي الله عنهما، وأقاما للناس الحج، قدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً. وكذا قال موسى بن عقبة. وأما ابن إسحاق فذكر أن قدوم عروة بن مسعود كان في إثر رحيل النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الطائف وعن مكة، وأنه لقيه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم قاتلوك. ثم بعد أشهر، قدم:
(وفد ثقيف)
وقال حاتم بن إسماعيل، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن عبد الكريم، عن علقمة بن سفيان بن عبد الله الثقفي، عن أبيه، قال: كنا في

(2/667)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 668
الوفد الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فضرب لنا قبتين عند دار المغيرة ابن شعبة. قال: وكان بلال يأتينا بفطرنا فنقول: أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: نعم، ما جئتكم حتى أفطر، فيضع يده فيأكل ونأكل. وقال حماد بن سلمة، عن حميد عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص الثقفي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزلهم في قبة في المسجد، ليكون أرق لقلوبهم. واشترطوا عليه حين أسلموا أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا خير في دين ليس فيه ركوع، ولكم أن لا تحشروا ولا تعشروا. وقال أبو داود في السنن: حدثنا الحسن بن الصباح، نا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني إبراهيم، عن أبيه، عن وهب، قال: سألت جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت قال: اشترطت على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقول: سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا. وقال موسى بن عقبة، وعن عروة بمعناه، قال: فأسلم عروة بن مسعود، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرجع إلى قومه. فقال: إني أخاف أن يقتلوك قال: لو وجدني نائماً ما) أيقظوني. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرجع إلى الطائف، وقدم الطائف عشياً فجاءته ثقيف فحيوه، ودعاهم إلى الإسلام.

(2/668)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 669
ونصح لهم، فاتهموه وعصوه، وأسمعوه من الأذى ما لم يكن يخشاهم عليه. فخرجوا من عنده، حتى إذا أسحر وطلع الفجر، قال على غرفة له في داره فأذن بالصلاة وتشهد، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه قتله: مثل عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله فقتلوه. وأقبل بعد قتله من وفد ثقيف بضعة عشر رجلاً هم أشراف ثقيف، فيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رأسهم يومئذ، وفيهم عثمان بن أبي العاص بن بشر، وهو أصغرهم. حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يريدون الصلح، حين رأوا أن قد فتحت مكة وأسلمت عامة العرب. فقال المغيرة بن شعبة: يا رسول الله، أنزل على قومي فأكرمهم، فإني حديث الجرم فيهم. فقال: لا أمنعك أن تكرم قومك، ولكن منزلك حيث يسمعون القرآن. وكان من جرم المغيرة في قومه أنه كان أجيراً لثقيف، وأنهم أقبلوا من مصر، حتى إذا كانوا ببصاق، عدا عليهم وهم نيام فقتلهم، ثم أقبل بأموالهم حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، خمس مالي هذا. فقال: وما نبأه فأخبره، فقال: إنا لسنا نغدر. وأبى أن يخمسه. وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد، وبنى لهم خياماً لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب لم يذكر نفسه. فلما سمعه وفد ثقيف قالوا: يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله، ولا يشهد به في خطبته. فلما بلغه ذلك قال: فإني أول من شهد أني رسول الله.

(2/669)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 670
وكانوا يغدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم، ويخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم. فكان عثمان، كلما رجعوا وقالوا بالهاجرة، عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الدين واستقرأه القرآن حتى فقه في الدين وعلم. وكان إذا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً عمد إلى أبي بكر. وكان يكتم ذلك من أصحابه. فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعجب منه وأحبه. فمكث الوفد يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا.) فقال كنانة بن عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى قومنا فقال: نعم، إن أنتم أقررتم بالإسلام قاضيتكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم. قالوا: فالربا قال: لكم رؤوس أموالكم. قالوا: فالخمر قال: حرام. وتلا عليهم الآيات في تحريم هذه الأشياء. فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض، فقالوا: ويحكم، إنا نخاف إن خالفناه يوماً كيوم مكة. انطلقوا نكاتبه على ما سألنا. فأتوه فقالوا: نعم، كل ما سألت. أرأيت الربة ماذا نصنع فيها قال: اهدموها. قالوا: هيهات، لو تعلم الربة أنك تريد هدمها قتلت أهلها. فقال عمر: ويحك يا بن عبد ياليل، ما أحمقك، إنما الربة حجر. قالوا: إنا لم نأتك يا بن الخطاب. وقالوا: يا رسول الله، تول أنت هدمها، فأما نحن فإنا لن نهدمها أبداً. قال: فسأبعث إليكم من يهدمها. فكاتبوه وقالوا: يا رسول الله، أمر علينا رجلاً يؤمنا. فأمر عليهم عثمان لما رأى من حرصه على الإسلام. وكان قد تعلم سوراً من القرآن. وقال ابن عبد ياليل: أنا أعلم الناس بثقيف. فاكتموهم الإسلام وخوفوهم الحرب، وأخبروا أن محمداً سألنا أموراً أبيناها.

(2/670)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 671
قال: فخرجت ثقيف يتلقون الوفد. فلما رأوهم قد ساروا العنق، وقطروا الإبل، وتغشوا ثيابهم، كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا ولم يرجعوا بخير. فلما رأت ثقيف ما في وجوههم قالوا: ما وفدكم بخير ولا رجعوا به. فدخل الوفد فعمدوا اللات فنزلوا عندها. واللات بيت بين ظهري الطائف يستر ويهدى له الهدي، كما يهدى للكعبة. فقال ناس من ثقيف حين نزل الوفد إليها: إنه لا عهد لهم برؤيتها. ثم رجع كل واحد إلى أهله، وجاء كل رجل منهم خاصته فسألوهم فقالوا: أتينا رجلاً فظاً غليظاً يأخذ من أمره ما يشاء، قد ظهر بالسيف وأداخ العرب ودانت له الناس. فعرض علينا أموراً شداداً: هدم اللات وترك الأموال في الربا إلا في رؤوس أموالكم، وحرم الخمر والزنا، فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبداً. فقال الوفد: أصحلوا السلام وتهيأوا للقتال ورموا حصنكم. فمكثت ثقيف بذلك يومين أو ثلاثة يريدون القتال. ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فقالوا: والله ما لنا به طاقة، وقد أداخ العرب كلها، فارجعوا إليه فأعطه ما سأل. فلما رأى ذلك الوفد أنهم قد رعبوا قالوا: فإنا قد قاضيناه وفعلنا ووجدناه أتقى الناس وأرحمهم وأصدقهم. قالوا: لم كتمتمونا وغممتمونا أشد الغم قالوا: أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان. فأسلموا مكانهم.) ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أمر عليهم خالد بن الوليد، وفيهم المغيرة. فلما قدموا عمدوا اللات ليهدموها، واستكفت ثقيف كلها، حتى خرج العواتق، لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة. فقام المغيرة فأخذ الكرزين وقال لأصحابه: والله لأضحكنكم منهم. فضرب بالكرزين، ثم

(2/671)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 672
سقط يركض. فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة، وقالوا: أبعد الله المغيرة، قد قتلته الربة. وفرحوا، وقالوا: من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها، فوالله لا يستطاع أبداً. فوثب المغيرة بن شعبة فقال: قبحكم الله إنما هي لكاع حجارة ومدر، فأقبلوا عافية الله واعبدوه. ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا على سورها، وعلا الرجال معه، فهدموها. وجعل صاحب المفتح يقول: ليغضبن الأساس، فليخسفن بهم. فقال المغيرة لخالد: دعني أحفر أساسها فحفره حتى أخرجوا ترابها، وانتزعوا حليتها، وأخذوا ثيابها. فبهتت ثقيف، فقالت عجوز منهم: أسلمها الرضاع وتركوا المصاع. وأقبل الوفد حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بحليتها وكسوتها، فقسمه. وقال ابن إسحاق: أقامت ثقيف، بعد قتل عروة بن مسعود، أشهراً. ثم ذكر قدومهم على النبي صلى الله عليه وسلم، وإسلامهم. وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة يهدمان الطاغية. وقال سعيد بن السائب، عن محمد بن عبد الله بن عياض، عن عثمان ابن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم. رواه أبو همام محمد بن محبب الدلال، عن سعيد.

(2/672)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 673
ولما فرغ ابن إسحاق من شأن ثقيف، ذكر بعد ذلك حجة أبي بكر الصديق بالناس.

(2/673)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 674

(2/674)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 675
1 (أحداث السنة العاشرة)
ثم قال ابن إسحاق: ولما فتح الله على نبيه مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه. وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن قريشاً كانوا إمام الناس.
(وفد بني تميم)
قال: فقدم عطارد بن حاجب في وفد عظيم من بني تميم، منهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، ومعهم عيينة بن حصن. فلما دخلوا المسجد. نادوا رسول الله من وراء حجراته: اخرج إلينا يا محمد، جئناك نفاخرك، فائذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: فقد أذنت لخطيبكم، فليقم. فقام عطار، فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكاً.

(2/675)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 676
ووهب لنا أموالاً عظاماً نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عدداً، وأيسره عدة. فمن مثلنا في الناس ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشأ لأكثرنا الكلام، ولكن نستحي من الإكثار. أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا. ثم جلس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن الشماس الخزرجي: قم فأجبه. فقام، فقال: الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يكن شيء قط إلا من فضله. ثم كان من فضله أن جعلنا ملوكاً واصطفى من خير خلقه رسولاً أكرمه نسباً، وأصدقه حديثاً، وأفضله حسباً، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحساباً، وأحسن الناس وجوهاً، وخير الناس فعالاً، ثم كان أول الخلق إستجابة إذ دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن فنحن الأنصار، أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ورسوله. فمن آمن منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبداً، وكان قتله علينا يسيراً. أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.) فقام الزبرقان بن بدر، فقال:
(نحن الكرام فلا حي يعادلنا.......... من الملوك وفينا تنصب البيع)

(وكم قسرنا من الأحياء كلهم.......... عند النهاب، وفضل العز يتبع)

(ونحن نطعم عند القحط مطعمنا.......... من الشواء إذا لم يؤنس القزع)

(بما ترى الناس تأتينا سراتهم.......... من كل أرض هوياً ثم نصطنع)

(2/676)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 677
في أبيات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قم يا حسان، فأجبه. فقال حسان:
(إن الذوائب من فهر وإخواتهم.......... قد بينوا سنة للناس تتبع)

(يرضى بها كل من كانت سريرته.......... تقوى الإله وكل الخير يصطنع)

(قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم.......... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا)

(سجية تلك منهم غير محدثة.......... إن الخلائق، فاعلم، شرها البدع)
في أبيات. فقال الأقرع بن حابس: وأبي، إن هذا الرجل لموتى له. وإن خطيبه أفصح من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا. قال: فلما فرغ القوم أسلموا، وأحسن النبي صلى الله عليه وسلم جوائزهم. وفيهم نزلت: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. وقال سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن محمد بن الزبير الحنظلي، قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الأهتم. فقال لعمرو بن الأهتم: أخبرني عن هذا الزبرقان، فأما هذا فلست أسألك عنه. قال: وأراه قال قد عرف قيساً. فقال: مطاع في أدنيه، شديد

(2/677)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 678
العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال. فقال عمرو: ما علمتك إلا زمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال. ثم قال: يا رسول الله، قد صدقت فيهما جميعاً أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم، وأسخطني فقلت بأسوأ ما فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان سحراً.) وقد روى نحوه علي بن حرب الطائي، عن أبي سعيد الهيثم بن محفوظ، عن أبي المقوم الأنصاري يحيى بن يزيد، عن الحكم بن عيينة، عن مقسم، عن ابن عباس متصلاً.
(وفد بني عامر)
وقال مسلم بن إبراهيم، ثنا الأسود بن شيبان، ثنا أبو بكر بن ثمامة بن النعمان الراسبي، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: وفد أبي في وفد بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أنت سيدنا وذو الطول علينا. فلاق: مهٍ مه، قولوا بقولكم ولا يستجرئنكم الشيطان، السيد الله، السيد الله. وقال الزبير بن بكار: حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن مؤملة، عن أبيها، عن جدها مؤملة بن جميل، قال: أتى عامر بن الطفيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عامر، أسلم. قال: أسلم

(2/678)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 679
على أن الوبر لي والمدر لك. قال: يا عامر أسلم. فأعاد قوله. قال: لا. فولى وهو يقول: يا محمد، لأملأنها عليك خيلاً جرداً ورجالاً مرداً، ولأربطن بكل نخلة فرساً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفني عامراً واهد قومه. فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة يقال لها سلولية، فنزل عن فرسه ونام في بيتها، فأخذته غدة في حلقه، فوثب على فرسه، وأخذ رمحه، وأقبل يجول، ويقول: غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية. فلم تزل تلك حاله حتى سقط ميتاً. قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عامر، فيهم: عامر بن الطفيل. وأربد ابن قيس، وخالد بن جعفر، وحيان بن سلم، وكانوا رؤساء القوم وشياطينهم. فقدم عامر عدو الله على رسول الله وهو يريد أن يغدر به. فقال له قومه: إن الناس قد أسلموا. فقال: قد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ثم قال لأربد: إذا قدمنا عليه فإني شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر: يا محمد، خالني. فقال: لا والله، حتى تؤمن بالله وحده، فقال: والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً. فلما ولى قال: اللهم اكفني عامراً. ثم قال لأربد: أين ما أمرتك به قال: لا أبا لك، والله ما هممت بالذي أمرتني به من مرة إلا دخلت بيني وبينه،

(2/679)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 680
أفأضربك بالسيف فبعث الله ببعض الطريق على عامر الطاعون) في عنقه، فقتله الله في بيت امرأة من سلول. وأما الآخر فأرسل الله تعالى عليه وعلى جمله صاعقة أحرقتهما. وقال همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني أنس، قال: كان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، وكان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخيرك بين ثلاث خصال فيكون لك أهل السهل ويكون لي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء. قال: فطعن في بيت امرأة. فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان، إئتوني بفرسي. فركب فمات على ظهر فرسه. أخرجه البخاري.
(وافد بني سعد)
وقال ابن إسحاق، عن محمد بن الوليد، عن كريب، عن ابن عباس: بعثت بنو سعد بن بكر، ضمام بن ثعلبة وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان جلداً أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف فقال: أيكم ابن عبد المطلب فقال: أنا. فقال: أنت محمد قال: نعم. قال: إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن في نفسك. أنشدك الله إلهك وإله من

(2/680)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 681
قبلك وإله من هو كائن بعدك، الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا شريك به شيئاً، وأن نخلع هذه الأنداد قال: اللهم نعم. قال: فأنشدك الله إلهك وإله من قبلك وإله من هو كائن بعدك، الله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس قال: نعم. ثم جعل يذكر فرائض الإسلام وينشده عن كل فريضة ثم قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص. ثم انصرف إلى بعيره راجعاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة. فقدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: باست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام، اتق البرص، اتق الجنون. قال: ويلكم، إنهما والله لا يضران ولا ينفعان. إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلماً. قال: يقول ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام.) وقال إسحاق بن أبي إسرائيل المروزي: حدثني حمزة بن الحارث، عن عمير، ثنا أبي، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد، عن أبي هريرة قال: جاء رجل من أهل البادية إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنشدك برب من قبلك ورب من بعدك، الله أرسلك وذكر الحديث، وفيه: فإني قد آمنت وصدقت، وأنا ضمام بن ثعلبة. فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقه الرجل. قال: فكان

(2/681)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 682
عمر يقول: ما رأيت أحداً أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة. الحارث بن عمير ضعيف. وقصة ضمام في الصحيحين من حديث أنس.
(الجارود بن عمرو)
قال ابن إسحاق: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو أخو بني عبد القيس. قال عبد الملك بن هشام: وكان نصرانياً، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام. فقال: يا محمد، تضمن لي ديني قال: نعم، قد هداك الله إلى ما هو خير منه. قال: فأسلم، وأسلم أصحابه.
(وفد بني حنيفة)
قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة بن حبيب

(2/682)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 683
الكذاب. فكان منزلهم في دار بنت الحارث الأنصارية. فحدثني بعض علمائنا أن بني حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه معه عسيب نخل في رأسه خوصات. فلما كلم النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه. قال ابن إسحاق: وحدثني شيخ من أهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه فأمر له رسول الله بمثل ما أمر به لهم، وقال: أما إنه ليس بأشركم مكاناً يعني حفظه ضيعة أصحابه. ثم انصرفوا وجاؤوه بالذي أعطاه. فلما قدموا اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ، وقال: إني أشركت في الأمر مع محمد، ألم يقل لكم حين ذكرتموني له أما إنه ليس بأشركم مكاناً وما ذلك إلا لما يعلم أني قد أشركت معه. ثم جعل) يسجع السجعات فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى. ووضع عنهم الصلاة وأحل لهم الزنا والخمر. وهو مع ذلك يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نبي. فأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك. وقال شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، ثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فجعل يقول:

(2/683)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 684
إن جعل لي محمد الأمر من بعد اتبعته. وقدمها في بشر كثير من قومه. فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبي قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها. ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله. وإني أراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني. ثم انصرف. قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنك الذي أريت فيه ما رأيت، فأخبرني أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي. قال: فهذا أحدهما العنسي صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة. أخرجاه. وقال معمر، عن همام، عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينا أنا نائم إذ أتيت بخزائن الأرض، فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبرا علي وأهماني، فأوحي إلي أن أنفخهما، فنفختهما، فذهب، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة. متفق عليه. وقال خ: ثنا الصلت بن محمد، نا مهدي بن ميمون، سمع أبا رجاء

(2/684)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 685
هو العطاردي يقول: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم فسمعناه به، لحقنا بمسيلمة الكذاب لحقنا بالنار وكنا نعبد الحجر في الجاهلية. وإذا لم نجد حجراً جمعنا حثية من تراب ثم حلبنا عليها كثبة اللبن، ثم نطوف به. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال:) جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة وهم يقرأون قراءة ما أنزلها الله: الطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً، والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً. فأرسل إليهم عبد الله فأتى بهم، وهم سبعون رجلاً ورأسهم عبد الله بن النواحة. قال: فأمر به عبد الله فقتل. ثم قال: ما كنا يمحرزين الشيطان من هؤلاء، ولكنا نحدرهم إلى الشام لعل الله أن يكفيناهم. وقال المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: تشهدان أني رسول الله فقال: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال: آمنت بالله ورسله، ولو كنت قاتلاً رسولاً لقتلتكما. قال عبد الله: فمضت السنة أن الرسل لا تقتل. قال عبد الله: أما ابن أثال فقد كفانا الله، وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي حتى أمكن الله منه. رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، عن المسعودي. وله شاهد. قال يونس، عن ابن إسحاق، حدثني سعد بن طارق، عن سلمة بن

(2/685)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 686
نعيم بن مسعود، عن أبيه، سمع النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: وأنتما تقولان بمثل ما يقول قالا: نعم. فقال: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما. وقال ابن إسحاق: وقد كان مسيلمة كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. سلام عليك، أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون. فكتب إليه: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
(وفد طيء)
ثم قدم وفد طيء، على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم زيد الخيل سيدهم. فأسلموا، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وقطع له فيد وأرضين، وخرج راجعاً إلى قومه.) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ينج زيد من حمى المدنية. فإنه يقال قد

(2/686)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 687
سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم غير الحمى، فلم نثبته. فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء من مياهه، يقال له فردة، أصابته الحمى فمات بها. قال: فعمدت امرأته إلى ما معه من كتب فحرقتها.
(قدوم عدي بن حاتم)
قال شعبة: ثنا سماك بن حرب، سمعت عباد بن حبيش، يحدث عن عدي بن حاتم، قال: جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بعقرب، فأخذوا عمتي وناساً. فلما أتوا بهم رسول الله قالت: يا رسول الله، غاب الوافد، وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة، فمن علي من الله عليك. قال: من وافدك قالت: عدي بن حاتم. قال: الذي فر من الله ورسوله قالت: فمن علي. ورجل إلى جنبه تراه علياً، فقال: سليه حملاناً. فسألته، فأمر لها به. قال عدي: فأتتني، فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها. إيته راغباً أو راهباً، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال عدي: فأتيته، فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي، فذكر قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر، فأسلمت. فرأيت وجهه وقد استبشر، وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصارى. وذكر باقي الحديث.

(2/687)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 688
وقال حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد قال: قال أبو عبيدة بن حذيفة، قال رجل: كنت أسأل عن حديث عدي وهو إلى جنبي لا أسأله. فأتيته فقال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فكرهته أشد ما كرهت شيئاً قط. فخرجت حتى أقصى أرض العرب مما يلي الروم. ثم كرهت مكاني فقلت: لو أتيته وسمعت منه. فأتيت إلى المدينة، فاستبشروا أي الناس وقالوا: جاء عدي بن حاتم، جاء عدي بن حاتم. فقال: يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم. فقلت: إني على دين. قال: أنا أعلم بدينك منك، ألست ركوسياً قلت: بلى. قال: ألست ترأس قومك قلت: بلى. قال: ألست تأخذ المرباع قلت: بلى. قال: فإن ذلك لا يحل في دينك. قال: فوجدت بها علي غضاضة. ثم قال: إنه لعله أن يمنعك أن تسلم أن ترى بمن عندنا خصاصة، وترى الناس علينا إلباً واحداً. هل رأيت الحيرة قلت: لم أرها، وقد علمت مكانها. قال: فإن الظعينة سترحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت بغير جوار، ولتفتحن علينا كنوز كسرى بن هرمز. قلت: كنوز كسرى بن هرمز قال: نعم، وليفيضن المال حتى يهم الرجل من يقبل ماله منه صدقة. قال:) فلقد رأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار، وكنت في أول خيل أغارت على المدائن. والله لتكونن الثالثة، إنه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى نحوه هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة.

(2/688)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 689
(قدوم فروة بن مسيك المرادي)
وقال ابن إسحاق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فروة بن مسيك المرادي، مفارقاً لملوك كندة. فاستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مراد وزبيد ومذحج كلها. وبعث معه على الصدقة خالد بن سعيد بن العاص، فكان معه حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(وفد كندة)
قال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد كندة، ثمانون راكباً فيهم الأشعث بن قيس. فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألم تسلموا قالوا: بلى. قال: فما بال هذا الحرير في أعناقكم قال: فشقوه وألقوه.
(وفد الأزد)
قال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد بن عبد الله الأزدي فأسلم، في وفد من الأزد. فأمره على من أسلم من قومه، ليجاهد من يليه.

(2/689)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 690
(كتاب ملوك حمير)
قال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك، ورسولهم إليه بإسلامهم الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان. وبعث إليه ذو يزن، مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم. فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً يذكر فيه فريضة الصدقة. وأرسل إليهم معاذ بن جبل في جماعة، وقال لهم: وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي، وأولي دينهم وأولي علمهم، وآمركم بهم خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(بعث خالد ثم علي إلى اليمن)
وقال إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي، عن أبيه، عن جده، عن البراء، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى اليمن، يدعوهم إلى الإٍ سلام. قال البراء: فكنت) فيمن خرج مع خالد، فأقمنا سنة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علياً رضي الله عنه، فأمره أن يقفل خالد، إلا رجل كان يمم مع خالد أحب أن يعقب مع علي فليعقب معه. فكنت فيمن عقب مع علي. فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، ثم صفنا صفاً واحداً، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت همدان جميعاً. فكتب علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ الكتاب

(2/690)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 691
خر ساجداً ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان. هذا حديث صحيح أخرج البخاري بعضه بهذا الإسناد. وقال الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري عن علي: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن. فقلت: يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا علم لي بالقضاء. فضرب بيده في صدري وقال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه. فما شككت في قضاء بين اثنين. أخرجه د. وقال محمد بن علي، وعطاء، عن جابر، أن علياً قدم من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. متفق عليه من حديث عطاء.
(بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن)
وقال شعبة، وغيره، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: يسرا ولا

(2/691)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 692
تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوى. متفق عليه، ومن أوجه أخر بأطول من هذا. وفي الصحيح للبخاري، من حديث طارق بن شهاب، عن أبي موسى، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض قومي. قال: فجئته وهو منيخ بالأبطح. قال: فسلمت عليه. فقال: أحججت يا عبد الله بن قيس قلت: نعم. قال: كيف قلت: لبيك إهلالاً كإهلالك. فقال: أسقت هدياً قلت: لم أسق هدياً. قال: فطف بالبيت واسع ثم حل. ففعلت. وذكر الحديث. أما معاذ فالأشبه أنه لم يرجع من اليمن حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن إسحاق. حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا، الذي كتبه لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم) السنة ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتاباً وعهداً وأمره فيه أمره:

(2/692)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 693
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من الله ورسوله. يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود. عهداً من رسول الله لعمرو بن حزم حيث بعثه إلى اليمن. أمره بتقوى الله في أمره كله. فإن الله مع الذي اتقوا والذين هم محسنون. وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن، ويفقههم فيه، ولا يمس القرآن أحد إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلين لهم في الحق، ويشتد عليهم في الظلم، فإن الله كره الظلم ونهى عنه، وقال: ألا لعنة الله على الظالمين. ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس من النار وعملها، ويستأنف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمر الله به، والحج الأكبر والحج الأصغر، فالحج الأصغر العمرة. وينهى الناس أن يصلي الرجل في الثوب الواحد الصغير إلا أن يكون واسعاً فيخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ويفضي إلى السماء بفرجه. ولا يعقد شعر رأسه إذا عفى في قفاه. وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعوا إلى القبائل والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له. فمن لم يدع إلى الله، ودعا إلى العشائر والقبائل فليقطفوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له. ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، وأن

(2/693)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 694
يمسحوا رؤوسهم كما أمر الله، وأمروا بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، وأن يغلس بالصبح، ويهجر بالهاجرة حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أول الليل. وأمره بالسعي إلى الجمعة إذا نودي بها، والغسل عند الرواح إليها. وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله تعالى، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار فيما سقى الغيل وفيما سقت السماء العشر، وفيما سقت الغرب فنصف العشر. ثم ذكر زكاة الإبل والبقر، مختصراً. قال: وعلى كل حالم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، من اليهود والنصارى، دينار واف أو عوضه من الثياب. فمن أدى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين. وقد روى سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، نحو هذا الحديث موصولاً بزيادات كثيرة في الزكاة، ونقص عما ذكرنا في السنن.) وقال أبو اليمان، ثنا صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عاصم ابن حميد السكوني: أن معاذاً لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم

(2/694)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 695
يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري. فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تبك يا معاذ، البكاء من الشيطان.
(وفد نجران)
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخلوا عليه مسجده بعد العصر فحانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوهم. فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم. وقال ابن إسحاق: حدثني بريدة بن سفيان، عن ابن البيلماني، عن كرز بن علقمة، قل: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ستون راكباً، منهم أربعة وعشرون من أشرافهم، منهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره واسمه عبد المسيح. والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم واسمه الأيهم. وأبو

(2/695)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 696
حارثة بن علقمة، أحد بكر بن وائل وأسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم. وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم. وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وبنوا له الكنائس. فلما توجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجهاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال له كرز: تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. فقال له: لم يا أخي فقال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره. قال له كرز: فما يمنعك وأنت تعلم هذا قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. فأضمر عليها أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك.) قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانياً. فأنزل الله فيهم: يا أهل الكتاب لم تحاجون

(2/696)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 697
في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده الآيات. فقال أبو رافع القرظي: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم فقال رجل من نجران يقال له الربيس: وذلك تريد يا محمد وإليه تدعو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن أمر بعبادة غير الله. فنزلت ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم الآيات إلى قوله من الشاهدين. وقال إسرائيل وغيره، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن ابن مسعود، ورواه شعبة، وسفيان، عن أبي إسحاق فقالا حذيفة بدل ابن مسعود: إن السيد والعاقب أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبياً فلا عنته لا نفلح نحن ولا عقبنا. قالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلاً أميناً. ولا تبعث معنا إلا أميناً. فقال: لأبعثن معكم أميناً حق أمين. فاستشرف لها أصحابه. فقال: قم، يا أبا عبيدة بن الجراح. فلما قام قال: هذا أمين هذه الأمة. أخرجه خ من حديث حذيفة. وقال إدريس الأودي، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل،

(2/697)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 698
عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران. فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما تقرأون: يا أخت هارون وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أفلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم. أخرجه مسلم. وقال ابن إسحاق: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى، سنة عشر، إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، قبل أن يقاتلهم، ثلاثاً. فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام،) ويقولون: أيها الناس، أسلموا تسلموا. فأسلم الناس، فأقام خالد يعلمهم الإسلام، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. ثم قدم وفدهم مع خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أعيانهم: قيس بن الحصين ذو الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل. قال: فأمر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قيساً. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم، بعد أن ولى وفدهم، عمرو بن حزم ليفقههم ويعلمهم السنة، يأخذ منهم صداقاتهم. وفي عاشر ربيع الأول توفي إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن سنة ونصف. وغسله الفضل بن

(2/698)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 699
العباس. ونزل قبره الفضل وأسامة بن زيد فيما قيل. وكان أبيض مسمناً، كثير الشبه بوالده صلى الله عليه وسلم. وقال ثابت، عن أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولد لي الليلة غلام فسميته بأبي إبراهيم. ثم دفعه إلى أم سيف يعني امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف. قال أنس: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنه وانطلقت معه، فدخل فدعا بالصبي فضمه إليه، وقال ما شاء الله أن يقول. قال أنس: فلقد رأيت إبراهيم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب. والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون. أخرجه مسلم والبخاري تعليقاً مجزوماً به. وقال شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء، قال: لما توفي إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله: إن له مرضعة تتم رضاعه في الجنة. أخرجه خ. وقال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ابنه إبراهيم حين مات.

(2/699)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 700
وفيها: مات أبو عامر الراهب، الذي كان عند هرقل عظيم الروم. وفيها: مات بوران بنت كسرى ملكة الفرس، وملكوا بعدها أختها آزرمن. قاله أبو عبيدة. وفي أواخر ذي القعدة: ولد محمد بن أبي بكر الصديق، ولدته أسماء بنت عميس، بذي الحليفة، وهي مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال جابر بن عبد الله: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء) بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إليه: كيف أصنع فقال اغتسلي واستنفري بثوب وأحرمي. وفيها: ولد محمد بن عمرو بن حزم، بنجران، وأبوه بها.

(2/700)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 701
(حجة الوداع)
قال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جابر، قال: أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بالحج، فاجتمع في المدينة بشر كثير. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة، أو لأربع، فلما كان بذي الحليفة ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر الصديق، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع فقال: اغتسلي واستنفري بثوب. وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وركب القصواء حتى استوت به على البيداء، فنظرت إلى مد بصري، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك. فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد عليهم شيئاً منه. ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته. ولسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى

(2/701)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 702
إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فجعل المقام بينه وبين البيت. قال جعفر: فكان أبي يقول: لا أعلمه ذكره إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن، ثم خرج من الباب إلى الصفا، حتى إذا دنا من الصفا قرأ: إن الصفا والمروة من شعائر الله، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى إذا رأى البيت فكبر وهلل وقال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك، فقال مثل ذلك ثلاث مرات. ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، فعلا عليها وفعل كما فعل على الصفا. فلما كان آخر الطواف على المروة قال: إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة. فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة. فحل الناس كلهم وقصروا، إلا النبي صلى الله عليه وسلم) ومن كان معه الهدي. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا

(2/702)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 703
هذا أم للأبد قال فشبك أصابعه وقال: دخلت العمرة مع الحج هكذا مرتين، لا بل لأبد الأبد. وقدم علي، رضي الله عنه، من اليمن ببدن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر عليها. فقالت: أبي أمرني بهذا. فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشاً بالذي صنعته، مستفتياً رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت، صدقت. ماذا قلت حين فرضت الحج قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك. قال: فإن معي الهدي فلا تحلل. قال: فكان الهدي الذي جاء معه، والهدي الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة مائة. ثم حل الناس وقصروا، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن معه هدي. فلما كان يوم التروية وجهوا إلى منى، أهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح. ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فركب حتى أتى بطن الوادي، فخطب الناس فقال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم

(2/703)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 704
هذا، في بلدكم هذا. ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة. وأول دم أضعه من دمائنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع وأول رباً أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله. واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة لله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله تعالى. وأنتم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون قالوا: نشهد أن قد بلغت وأديت ونصحت. فقال: بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء ويكبها إلى الناس: اللهم اشهد ثلاث مرات. ثم أذن بلال، ثم أقام) فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً. ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه فدفع وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده: أيها الناس، السكينة السكينة، كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد. حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ولم يصل بنيهما شيئاً. ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة. ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام

(2/704)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 705
فرقي عليه فحمد الله وكبره وهلله. فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر وسيماً. فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل، فصرف الفضل وجهه من الشق الآخر، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه الفضل. حتى إذا أتى محسراً حرك قليلاً، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند المسجد، فرمى سبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصي الخذف رمى من بطن الوادي. ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنة، وأعطى علياً، رضي الله عنه فنحر ما غبر وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، وطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى على بني عبد المطلب يسقون من بئر زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن تغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم. فناولوه دلواً فشرب منه. أخرجه مسلم، دون قوله: يحيى ويميت.

(2/705)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 706
وقال شعبة، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى ذا الحليفة أشعر بدنة من جانب سنامها الأيمن، ثم سلت عنها الدم، وأهل بالحج. أخرجه مسلم. وقال أيمن بن نايل، حدثني قدامة بن عبد الله، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة على ناقة حمراء وفي رواية صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. حديث حسن.) وقال ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن عبد الله بن لحي، عن عبد الله بن قرط قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر، يستقر فيه الناس، وهو الذي يلي يوم النحر. قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنات، خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة خفيفة لم أفهمها،

(2/706)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 707
فقلت للذي إلى جنبي: ما قال قال: قال: من شاء اقتطع. حديث حسن. وقال هشام، عن ابن سيرين، عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة، ثم رجع إلى منزله بمنى، فذبح، ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه، فجعل يقسمه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الآخر فحلقه، ثم قال: هاهنا أبو طلحة فدفعه إلى أبي طلحة. رواه مسلم. وقال أبان العطار، ثنا يحيى، حدثني أبو سلمة، أن محمد بن عبد الله ابن زيد حدثه، أن أباه شهد المنحر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم بين أصحابه ضحايا، فلم يصبه ولا رفيقه. قال: فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في ثوبه فأعطاه، فقسم منه على رجال، وقلم أظفاره فأعطى صاحبه. فإنه لمخضوب عندنا بالحناء والكتم. وقال علي بن الجعد، ثنا الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، قال حج رسول الله صلى الله عليه وسلم على رحل رث وقطيفة تساوي، أو لا تساوي، أربعة دراهم. وقال: اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة. يزيد ضعيف.

(2/707)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 708
وقال أبو عميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. قال: أي آية قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً. فقال: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات في يوم جمعة. متفق عليه. وقال حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال: كنت عند ابن عباس وعنده يهودي، فقرأ: اليوم أكملت لكم دينكم الآية. فقال اليهودي: لو أنزلت علينا لاتخذنا يومها عيداً. فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيد يوم جمعة، يوم عرفة. صحيح على شرط م.) وقال ابن جريج، عن أبي الزبير، أخبره أنه سمع جابراً يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، ويقول: خذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه. أخرجه مسلم. وقال إسماعيل بن أبي أويس: حدثني أبي، عن ثور بن يزيد، عن

(2/708)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 709
عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال: إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروه. أيها الناس: إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنة نبيه. إن كل مسلم أخو المسلم، المسلمون إخوة، ولا يحل لامريء من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، ولا تظلموا، ولا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: وكان ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي هو الذي يصرخ يوم عرفة تحت لبة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال له: أصرخ: أيها الناس وكان صيتاً هل تدرون أي شهر هذا فصرخ، فقالوا: نعم، الشهر الحرام. قال: فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا. وذكر الحديث. وقال الزهري، من حديث الأوزاعي، عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد أن ينفر من منى قال: إنا نازلون غداً إن

(2/709)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 710
شاء الله بالمحصب بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر. وذلك أن قريشاً تقاسموا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يخالطوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. اتفقا عليه. وقال أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليالي الحج. قالت: فلما تفرقنا من منى نزلنا المحصب. وذكر الحديث. متفق عليه. وقال أبو إسحاق السبيعي، عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة، وحج بعدما هاجر حجة الوداع، ولم يحج بعدها. قال أبو إسحاق من قبله: وواحدة بمكة. اتفقا عليه. ويروى عن ابن عباس أنه كان يكره أن يقال: وحجة الوداع، ويقول: حجة الإسلام.) وقال زيد بن الحباب، ثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر معها عمرة، وساق ستاً وثلاثين بدنة، وجاء علي بتمامها من اليمن، فيها جمل لأبي

(2/710)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 711
جهل في أنفه برة من فضة، فنحرها رسول الله صلى الله عليه وسلم. تفرد به زيد. وقيل إنه خطأ، وإنما يروى عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مجاهد مرسلاً. قال أبو بكر البيهقي: قوله وحجة معها عمرة فإنما يقول ذلك أنس، ومن ذهب من الصحابة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن، فأما من ذهب إلى أنه أفرد، فإنه لا يكاد يصح عنده هذه اللفظة لما في إسناده من الاختلاف وغيره. وقال وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج حجتين وهو بمكة قبل الهجرة، وحجة الوداع. وفي آخر السنة: كان ظهور الأسود العنسي، وسيأتي.

(2/711)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 712

(2/712)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 713
1 (أحداث السنة إحدى عشر)
(سرية أسامة)
في يوم الاثنين لأربع بقين من صفر. ذكر الواقدي أنهم قالوا: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لغزو الروم. ودعا أسامة بن زيد، فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش. فأغر صباحاً على أهل أبنى، وأسرع السير، تسبق الأخبار. فإن ظفرت فأقلل اللبث فيهم، وقدم العيون والطلائع أمامك. فلما كان يوم الأربعاء، بديء برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه. فحم وصدع. فلما أصبح يوم الخميس، عقد لأسامة لواء بيده، فخرج بلوائه معقوداً يعني أسامة. فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي،

(2/713)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثاني الصفحة 714
وعسكر بالجرف. فلم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة. فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على هؤلاء فقال ابن عيينة، وغيره، عن عبد الله بن دينار، سمع ابن عمر يقول: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة، فطعن الناس في إمارته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه. وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة،) وإن كان من أحب الناس إلي. وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إلي بعده. متفق على صحته. قال شيبان، عن قتادة: جميع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه: ثلاث وأربعون. ثم دخل شهر ربيع الأول. وبدخوله تكملت عشر سنين من التاريخ للهجرة النبوية. والحمد الله وحده.

(2/714)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 5
(أحداث سنة إحدى عشر)
5 (خلافة أبي بكر رضي الله عنه)
قال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وأبو بكر بالسنح، فقال عمر: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثه الله فيقطع أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر الصديق فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله موتتين أبداً، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: إنك ميت وإنهم ميتون. وقال: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم. الآية، فنشج الناس يبكون، واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم

(3/5)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 6
أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فذهب عمر يتكلم فسكته أبو بكر، فكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني هيأت كلاماً قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، فتكلم فأبلغ، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال الحباب بن المنذر: لا والله لا نفعل أبداً، منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، قريش أوسط العرب داراً وأعزهم أحساباً فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبو عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك، أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس. فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله. رواه سليمان بن بلال عنه، وهو صحيح السند. وقال مالك، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، أن عمر خطب الناس فقال في خطبته: وقد بلغني أن قائلاً يقول: لو مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترن أمرؤ أن يقول: كانت) بيعة أبي بكر فلتة، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، وإنه كان من خيرنا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، اجتمع المهاجرون، وتخلف علي والزبير في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتخلف الأنصار في سقيفة بني ساعدة، فقلت: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم، فلقينا رجلان صالحان من الأنصار فقالا: لا عليكم أن لا تأتوهم وأبرموا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فأتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا هم مجتمعون على رجل

(3/6)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 7
مزمل بالثياب، فقلت: من هذا قالوا: سعد بن عبادة مريض، فجلسنا، وقام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإيمان، وأنتم معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت إليكم دافة يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويحضنونا من الأمر. قال عمر: فلما سكت أردت أن أتكلم بمقالة قد كانت أعجبتني بين يدي أبي بكر: فقال أبو بكر: على رسلك، وكنت أعرف منه الجد، فكرهت أن أغضبه، وهو كان خيراً مني وأوفق وأوقر، ثم تكلم فوالله ما ترك كلمة أعجبتني إلا قد قالها وأفضل منها حتى سكت، ثم قال: أما بعد: ما ذكرتم من خير فهو فيكم معشر الأنصار، وأنتم أهله وأفضل منه، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهم شئتم، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح، قال: فما كرهت شيئاً مما قاله غيرها. كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر إلا أن تتغير نفسي عند الموت، فقال رجل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير معشر

(3/7)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 8
المهاجرين، قال: وكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف، فقلنا: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعه الأنصار، ونزوا على سعد بن عبادة، فقال قائل: قتلتم سعداً. فقلت: قتل الله سعداً، قال عمر: فوالله ما وجدنا فيما حضرنا أمراً أوفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن نحن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما خالفناهم فيكون فساد. رواه يونس بن يزيد، عن الزهري بطولة، فزاد فيه: قال عمر: فلا يعتزل امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت، فإنها قد كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها، فمن بايع رجلاً غير مشورة فإنه لا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا. متفق على صحته.)

(3/8)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 9
وقال عاصم بن بهدلة، عن زر، عن عبد الله قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فأتاهم عمر فقال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن أبا بكر قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤم الناس قالوا: بلى، قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر قلت يعني في الصلاة فقلت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر. رواه الناس عن زائدة عنه. وقال يزيد بن هارون: أنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم التميمي قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى عمر أبا عبيدة فقال: أبسط يدك لأبايعك، فإنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو عبيدة لعمر: ما رأيت لك فهة قبلها منذ أسلمت، أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين. وروى نحوه عن مسلم البطين عن أبي البختري. وقال ابن عون، عن ابن سيرين، قال أبو بكر لعمر: ابسط يدك نبايع لك، فقال عمر: أنت أفضل مني، فقال أبو بكر: أنت أقوى مني، قال: إن قوتي لك مع فضلك. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي اجتمعت الأنصار إلى سعد، فأتاهم أبو بكر وجماعة، فقام الحباب بن
1

(3/9)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 10
المنذر، وكان بدرياً فقال: منا أمير ومنكم أمير. وقالت وهيب: ثنا داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام طباء الأنصار، فجعل منهم من يقول: يا معشر المهاجرين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلاً منكم قرن معه رجلاً منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان منا ومنكم، قال: وتتابعت خطباء الأنصار على ذلك، فقام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين، وإنما يكون الإمام من المهاجرين، ونحن أنصاره، كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر فقال: جزاكم الله خيراً من حي يا معشر الأنصار وثبت قائلكم، أم والله لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم، ثم أخذ زيد بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعوه، قال: فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير علياً، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به. فقال أبو بكر: ابن عم رسول الله وختنه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خلفية رسول الله صلى الله عليه) وسلم، فبايعه، ثم لم ير الزبير، فسأل عنه حتى جاؤا به، فقال: ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فبايعه. روى منه أحمد في: مسنده إلى قوله لما صالحناكم عن
1

(3/10)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 11
عفان عن وهيب، ورواه بتمامه ثقة، عن عفان. وقال الزهري عن عبيد الله، عن ابن عباس، قال عمر في خطبته: وإن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا عنا، وتخلفت الأنصار عنا بأسرها، فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فبينما نحن في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رجل ينادي من وراء الجدار: أخرج يا ابن الخطاب، فخرجت فقال: إن الأنصار قد اجتمعوا فأدركوهم قبل أن يحدثوا أمراً يكون بيننا وبينهم فيه حرب، وقال في الحديث: وتابعه المهاجرون والأنصار فنزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل: قتلتم سعداً، قال عمر: فقلت وأنا مغضب: قتل الله سعداً فإنه صاحب فتنة وشر. وهذا من حديث جويرية بن أسماء، عن مالك، وروى مثله الزبير بن بكار، عن ابن عيينة، عن الزهري. وقال أبو بكر الهذلي عن الحسن، عن قيس بن عباد، وابن
1

(3/11)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 12
الكواء، أن علياً رضي الله عنه ذكر مسيره وبيعة المهاجرين أبا بكر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت فجأة، مرض ليالي، يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فيقوا: مروا أبا بكر بالصلاة، فأرادت امرأة من نسائه أن تصرفه إلى غيره فغضب وقال: إنكن صواحب يوسف، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اخترنا واختار المهاجرون والمسلمون لدنياهم من اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم لدينهم، وكانت الصلاة عظم الأمر وقوام الدين. وقال الوليد بن مسلم: فحدثني محمد بن حرب، نا الزبيدي، حدثني الزهري، عن أنس أنه سمع خطبة عمر الآخرة قال: حين جلس أبو بكر عل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم غداً من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتشهد عمر، ثم قال: أما بعد: فإني قلت لكم أمس مقالة، وإنها لم تكن كما قلت، وما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب الله ولا في عهد عهده رسول الله، ولكن رجوت أنه يعيش حتى يدبرنا يقول حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم) آخرنا فاختار الله لرسوله ما عنده على الذي عندكم، فإن يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، فإن الله قد جعل بين أظهركم كتابه الذي هدى به محمداً، فاعتصموا به تهتدوا بما هدي به محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين وأنه أحق الناس بأمرهم، فقوموا فبايعوه، وكان طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت البيعة على المنبر بيعة العامة. صحيح غريب. وقال موسى بن عقبة، عن سعد بن إبراهيم، حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأن محمد بن مسلمة كسر سيف
1

(3/12)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 13
الزبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: والله ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة ولا سألتها الله في سر ولا علانية، فقبل المهاجرون مقالته. وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشاورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالناس وهو حي. وقد قيل إن علياً رضي الله عنه تمادى عن المبايعة مدة: فقال يونس ابن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة قالت: لما توفيت فاطمة بعد أبيها بستة أشهر اجتمع إلى علي أهل بيته، فبعثوا إلى أبي بكر: ائتنا، فقال عمر: لا والله لا تأتيهم، فقال أبو بكر: والله لآتينهم، وما تخاف علي منهم فجاءهم حتى دخل عليهم فحمد الله ثم قال: إني قد عرفت رأيكم، قد وجدتم علي في أنفسكم من هذه الصدقات التي وليت عليكم، ووالله ما صنعت ذلك إلا أني لم أكن أريد أن أكل شيئاً من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أرى أثره فيه وعمله إلى غيري حتى أسلك به سبيله وأنفذه فيما جعله الله، والله لأن أصلكم أحب إلي من أن أصل أهل قرابتي لقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعظيم حقه. ثم تشهد علي وقال: يا أبا بكر والله ما نفسنا عليك خيراً جعله الله لك أن لا تكون أهلاً لما أسند إليك، ولكنا من الأمر حيث علمت فتفوت به علينا، فوجدنا في أنفسنا، وقد رأيت أن أبايع وأدخل فيما دخل فيه الناس، وإذا كانت العشية فصل بالناس الظهر، واجلس على المنبر حتى آتيك فأبايعك، فلما صلى أبا بكر الظهر ركب المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الذي كان من
1

(3/13)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 14
أمر علي، وما دخل فيه من أمر الجماعة والبيعة، وها هوذا فاسمعوا منه، فقام علي فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر أبا بكر وفضله وسنه، وأنه أهل لما ساق الله إليه من الخير، ثم قام) إلى أبي بكر فبايعه. أخرجه البخاري من حديث عقيل عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وفيه: وكان لعلي من الناس وجه، حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته.
2 (قصة الأسود العنبسي)
قال سيف بن عمر التميمي: ثنا المستنير بن يزيد النخعي، عن عروة ابن غزية، عن الضحاك بن فيروز الديلميي، عن أبيه قال: أول ردة كانت في
1

(3/14)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 15
الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على يد عبهلة بن كعب، وهو الأسود في عامة مذحج: خرج بعد حجة الوداع، وكان شعباذاً يريهم الأعاجيب، ويسبي قلوب من يستمع منطقه، فوثب هو ومذحج بنجران إلى أن صار إلى صنعاء فأخذها، ولحق بفروة من تم على إسلامه، لم يكاتب الأسود رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن معه أحد يشاغبه، وصفا له ملك اليمن. فروى سيف، عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن عبيد بن صخر قال: بينما نحن بالجند قد أقمناهم على ما ينبغي، وكتبنا بيننا وبينهم الكتب، إذ جاءنا كتاب من الأسود أن أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه، فبينا نحن ننظر في أمرنا إذ قيل هذا الأسود بشعوب، وقد خرج إليه شهر بن باذام، ثم
1

(3/15)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 16
أتانا الخبر أنه قتل شهراً وهزم الأبناء، وغلب على صنعاء بعد نيف وعشرين ليلة، وخرج معاذ هارباً حتى مر بأبي موسى الأشعري بمأرب، فاقتحمنا حضرموت. وغلب الأسود على ما بين أعمال الطائف إلى البحرين وغير ذلك، وجعل يستطير استطارة الحريق، وكان معه سبعمائة فارس يوم لقي شهراً، وكان قواده: قيس بن عبد يغوث، ويزيد بن مخزوم، وفلان، وفلان، واستغلظ أمره وغلب على أكثر اليمن، وارتد معه خلق، وعامله المسلمون بالتقية، وكان خليفته في مذحج عمرو بن معد يكرب، وأسند أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث، وأمر الانباء إلى فيروز الديلمي، وداذويه، فلما أثخن في الأرض استخف بهؤلاء، وتزوج امرأة شهر، وهي بنت عم فيروز، قال: فبينا نحن كذلك بحضرموت ولا نأمن أن يسير إلينا الأسود، وقد تزوج معاذ في السكون، إذ جاءتنا كتب النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا فيها أن نبعث الرجال لمجاولته ومصاولته، فقام معاذ في ذلك، فعرفنا القوة ووثقنا بالنصر. وقال سيف: فحدثنا المستنير، عن عروة، عن الضحاك بن فيروز، عن جشنس ابن الديلمي) قال: قدم علينا وبر بن يحنس بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
1

(3/16)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 17
فأمرنا فيه بالنهوض في أمر الأسود فرأينا أمراً كثيفاً، ورأينا الأسود قد تغير لقيس بن عبد يغوث، فأخبرنا قيساً وأبلغناه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنما وقعنا عليه من السماء فأجابنا، وجاء وبر وكاتبنا الناس ودعوناهم، فأخبر الأسود شيطانه فأرسل إلى قيس فقال: ما يقول الملك يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته، حتى إذا دخل منك كل مدخل مال ميل عدوك، فحلف له وتنصل، فقال: أتكذب الملك قد صدق وعرفت أنك تائب، قال: فأتانا قيس وأخبرنا فقلنا: كمن على حذر، وأرسل إلينا الأسود: ألم أشرفكم على قومكم، ألم يبلغني عنكم فقلنا: أقلنا مرتنا هذه، فقال: فلا يبلغني عنكم فأقتلكم، فنجونا ولم نكد، وهو في ارتياب من أمرنا، قال: فكاتبنا عامر بن شهر، وذو الكلاع، وذو ظليم، فأمرناهم أن لا يتحركوا بشيء، قال: فدخلت على امرأته آذاد فقلت: يا بنة عم قد عرفت بلاء هذا الرجل، وقتل زوجك وقومك وفضح النساء، فهل من ممالأة عليه قالت: ما خلق الله أبغض إلي من منه، ما يقوم على حق ولا ينتهي عن حرمة، فخرجت فإذا فيروز وداذويه ينتظراني، وجاء قيس ونحن نريد أن نناهضه، فقال له رجل قبل أن يجلس: الملك يدعوك، فدخل في عشرة فلم يقدر على قتله، وقال يا عبهلة أمني تتحصن بالرجال، ألم أخبرك الحق وتخبرني الكذب، ترد قتلي فقال: كيف وأنت رسول الله فمرني بما أحببت، فأما الخوف والفزع فأنا فيهما فاقتلني وارحمني، فرق له وأخرجه، فخرج علينا وقال:
1

(3/17)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 18
اعملوا عملكم، وخرج علينا الأسود في جمع، فقمنا له، وبالباب مائة بقرة وبعير فنحرها، ثم قال: أحق ما بلغني عنك يا فيروز لقد هممت بقتلك، فقال: اخترتنا لصهرك وفضلتنا على الأبناء، وقد جمع لنا أمر آخرة ودنيا، فلا تقبلن علينا أمثال ما يبلغك. فقال: اقسم هذه، فجعلت آمر للرهط بالجزور، ثم اجتمع بالمرأة فقالت: هو متحرز، والحرس محيطون بالقصر سوى هذا الباب فانقبوا عليه، وهيأت لنا سراجاً، وخرجت، فتلقاني الأسود خارجاً من القصر فقال: ما أدخلك ووجأ رأسي فسقطت، فصاحت المرأة وقالت: ابن عمي زارني، فقال: اسكتي لا أبالك فقد وهبته لك، فأتيت أصحابي وقلت: النجاء، وأخبرتهم الخبر، فأنا على ذلك إذ جاءني رسولها: لا تدعن ما فارقتك عليه. فقلنا لفيروز: ائتها وأتقن أمرنا، وجئنا بالليل ودخلنا، فإذا السراج تحت جفنة، فاتقيا بفيروز، وكان أنجدنا، فلما دنا من البيت سمع غطيطاً شديداً، وإذا المرأة جالسة. فلما قام فيروز على الباب أجلس الأسود شيطانه وكلمه فقال أيضاً: فما لي ولك) يا فيروز، فخشي إن رجع أن يهلك هو والمرأة، فعالجه وخالطه وهو مثل الجمل، فأخذ برأسه فدق عنقه وقتله، ثم قام ليخرج فأخذت المرأة بثوبه تناشده، فقال: أخبر أصحابي بقتله، فأتانا فقمنا معه، فأردنا حز رأسه فحركه الشيطان واضطرب، فلم يضبطه فقال: اجلسوا على صدره، فجلس اثنان وأخذت المرأة بشعره، وسمعنا بربرة فألجمته بملاءة،
1

(3/18)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 19
وأمر الشفرة على حلقه، فخار كأشد خوار ثور، فابتدر الحرس الباب: ما هذا ما هذا قالت: النبي يوحي إليه، قال: وسمرنا ليلتنا كيف نخبر أشياعنا، فأجمعنا على النداء بشعارنا ثم بالأذان، فلما طلع الفجر نادى داذويه بالشعار، ففزع المسلمون والكافرون، واجتمع الحرس فأحاطوا بنا، ثم ناديت بالآذان، وتوافت خيولهم إلى الحرس، فناديتهم: أشهد أن محمداً رسول الله، وأن عبهلة كذاب، وألقينا إليهم الرأس، وأقام وبر الصلاة، وشنها القوم غارة، ونادينا: يا أهل صنعاء من دخل عليه داخل فتعلقوا به، فكثر النهب والسبي، وخلصت صنعاء والجند، وأعز الله الإسلام، وتنافسنا الإمارة، وتراجع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاصطلحنا على معاذ بن جبل، فكان يصلي بنا، وكتبنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الخبر فقدمت رسلنا، وقد قبض النبي صلى الله عليه وسلم صبيحتئذ فأجابنا أبو بكر عنه. وروى الواقدي عن رجاله قال: بعث أبو بكر قيس بن مكشوح إلى اليمن، فقتل الأسود العنسي، هو وفيروز الديلمي. ولقيس هذا أخبار، وقد ارتد، ثم أسره المسلمون فعفا عنه أبو بكر، وقتل مع علي بصفين.
2 (جيش أسامة بن يزيد)
قال هشام بن عروة، عن أبيه قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه: أنفذوا جيش أسامة، فسار حتى بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول: لا تعجل فإن رسول الله ثقيل، فلما يبرح حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قبض رجع إلى أبي بكر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني وأنا على غير حالكم هذه، وأنا أتخوف أن تكفر العرب، وإن كفرت كانوا أول من يقاتل، وإن لم تكفر مضيت، فإن معي سروات الناس
2

(3/19)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 20
وخيارهم، قال: فخطب أبو بكر الناس، ثم قال: والله لأن تختطفني الطير أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فبعثه أبو بكر، واستأذن لعمر أن يتركه عنده، وأمر أن لا يجزر في القوم، أن يقطع الأيدي، والأرجل والأوساط في القتال، قال: فمضى حتى أغار، ثم رجعوا وقد غنموا وسلموا. فكان عمر يقول: ما كنت لأحيي أحداً بالإمارة غير أسامة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو أمير، قال: فسار، فلما دنوا من الشام أصابتهم ضبابة شديدة فسترتهم، حتى أغاروا وأصابوا حاجتهم، قال: فقدم بنعي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هرقل وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبراً واحداً، فقالت الروم: ما بال هؤلاء يموت صاحبها ثم أغاروا على أرضنا. وعن الزهري قال: سار أسامة في ربيع الأول حتى بلغ أرض الشام وانصرف، فكان مسيره ذاهباً وقافلاً أربعين يوماً. وقيل كان ابن عشرين سنة. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: فلما فرغوا من البيعة، واطمأن الناس قال أبو بكر لأسامة بن زيد: إمض لوجهك. فكلمه رجال من المهاجرين والأنصار وقالوا: أمسك أسامة وبعثه فإنا نخشى أن تميل علينا العرب إذا سمعوا بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أنا أحبس جيشاً بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد اجترأت على أمر عظيم، والذي نفسي بيده لأن تميل علي العرب أحب إلي من أن أحبس جيشاً بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إمض يا
2

(3/20)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 21
أسامة في جيشك للوجه الذي أمرت به، ثم اغز حيث أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم من ناحية فلسطين، وعلى أهل مؤته، فإن الله سيكفي ما تركت، ولكن) إن رأيت أن تأذن لعمر فأستشيره وأستعين به فافعل، ففعل أسامة. ورجع عامة العرب عن دينهم وعامة أهل المشرق وغطفان وأسد وعامة أشجع، وتمسكت طيء بالإسلام.
2 (أبي بكر وفاطمة رضي الله عنهما)
قال الزهري، عن عروة، عن عائشة أن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله مما أفاء الله عليه، فقال لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة فغضبت وهجرت أبا بكر حتى توفيت. وأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن مما أفاء الله على رسوله، حتى كنت أنا رددتهن فقلت لهم: ألا تتقين الله ألم تسمعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال.
2

(3/21)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 22
وقال أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقتسم ورثتي ديناراً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة. وقال محمد بن السائب وهو متروك عن أبي صالح مولى أم
2

(3/22)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 23
هانئ، إن فاطمة دخلت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر أرأيت لو مت اليوم من كان يرثك قال: أهلي وولدي، فقالت: مالك ترث رسول الله صلى الله عليه وسلم من دون أهله وولده فقال: ما فعلت يا بنت رسول الله. قالت: بلى قد عمدت إلى فدك وكانت صافية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذتها، وعمدت إلى ما أنزل الله من السماء فرفعته منا، فقال: لم أفعل، حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم النبي الطعمة ما كان حياً فإذا قبضه رفعها، فقالت: أنت ورسول الله أعلم، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي هذا. ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أنت وريث رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله فقال: لا بل أهله، قالت: فأين سهمه قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله إذ أطعم نبياً طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم من بعده. فرأيت أن أرده على المسلمين، قالت: أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد في مسنده، وهو منكر، وأنكر ما فيه قوله: لا، بل أهله.
2

(3/23)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 24
وقال الوليد بن مسلم، وعمر بن عبد الواحد: ثنا صدقة أبو معاوية، عن محمد بن عبد الله بن) محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن يزيد الرقاشي، عن أنس أن فاطمة أتت أبا بكر فقالت: قد علمت الذي خلفنا عنه من الصدقات أهل البيت. ثم قرأت عليه واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول إلى آخر الآية، فقال لها: بأبي وأمي أنت ووالدك وولدك، وعلي السمع والبصر كتاب الله وحق رسوله وحق قرابته، وأنا أقرأ من كتاب الله مثل الذي تقرئين، ولا يبلغ علمي فيه أن أرى لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السهم كله من الخمس يجري بجماعته عليهم، قالت: أفلك هو ولقرابتك قال: لا، وأنت عندي أمينة مصدقة، فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليك في ذلك عهداً ووعدك وعداً أوجبه لك حقاً وسلمته إليك، قالت: لا، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه في ذلك قال: أبشروا آل محمد فقد جاءكم الغنى. فقال أبو بكر: صدقت فلك الغنى، ولم يبلغ علمي فيه ولا بهذه الآية أن يسلم هذا السهم كله كاملاً، ولكن لكم الغنى الذي يغنيكم، ويفضل عنكم، فانظري هل يوافقك على ذلك أحد منهم، فانصرفت إلى عمر فذكرت له كما ذكرت لأبي بكر، فقال لها مثل الذي راجعها به أبو بكر، فعجبت وظنت أنهما قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه. وبالإسناد إلى محمد بن عبد الله من دون ذكر الوليد بن مسلم قال: حدثني الزهري قال: حدثني من سمع ابن عباس يقول: كان عمر عرض علينا أن يعطينا من الفيء بحق ما يرى أنه لنا من الحق، فرغبنا عن ذلك
2

(3/24)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 25
وقلنا: لنا ما سمى الله من حق ذي القربى، وهو خمس الخمس، فقال عمر: ليس لكم ما تدعون أنه لكم حق، إنما جعل الله الخمس لأصناف سماهم، فأسعدهم فيه حظاً أشدهم فاقة وأكثرهم عيالاً، قال: فكان عمر يعطي من قبل منا من الخمس والفيء نحو ما يرى أنه لنا، فأخذ ذلك منا ناس وتركه ناس. وذكر الزهري أن مالك بن أوس بن الحدثان النصري قال: كنت عند عمر، فقال لي: يا مالك إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات وقد أمرت فيهم برضخ فاقسمه بينهم، قلت: لو أمرت به غيري، قال: اقبضه أيها المرء، قال: وأتاه حاجبه يرفأ فقال: هل لك في عثمان، والزبير، وعبد الرحمن، وسعد يستأذنون قال: نعم، فدخلوا وسلموا وجلسوا، ثم لبث يرفأ قليلاً، ثم قال لمعمر: هل لك في علي والعباس قال العم: فلما دخلا سلما فجلسا فقال عباس يا أمير المؤمنين اقض يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الظالم الفاجر الغادر الخائن، فاستبا، فقال عثمان) وغيره: يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر، فقال: أنشدكما بالله هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركناه صدقة قالا: قد قال ذلك، قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر: إن الله كان قد خص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره، فقال تعالى: وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء، فكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم والله ما احتازها دونكم ولا استأثر
2

(3/25)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 26
بها عليكم، لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يجعل ما بقي مجعل مال الله، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك، قالوا: نعم، ثم توفى الله نبيه، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله، فقبضها وعمل فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وأنتما تزعمان أن أبا بكر فيها كاذب فاجر غادر، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد، ثم توفاه الله فقلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بعمله، وأنتم حينئذ تشهدون، وأقبل علي علي وعباس يزعمون أني فيها فاجر كاذب، والله يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، فجئتني تسألني عن نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا يسألني عن نصيب امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركناه صدقة، فلما بدا لي أن أدفعها إليكما قلت: إن شئتما دفعتها إليكما على أن عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما عمل فيها أبو بكر، وإلا فلا تكلماني، فقلتما: ادفعها إلينا بذلك، فدفعتها إليكما أنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك قال الرهط: نعم، فأقبل على علي وعباس فقال: أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك قالا: نعم، قال: أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك فوالذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي أكفيكماها.
2

(3/26)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 27
وقال الزهري: حدثني الأعرج أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والذي نفسي بيده لا يقتسم ورثتي شيئاً مما تركت، ما تركنا صدقة فكانت هذه الصدقة بيد علي غلب عليها العباس، وكانت فيها خصومتهما، فأبى عمر أن يقسمها بينهما حتى أعرض عنها عباس فغلبه عليها علي، ثم كانت على يدي الحسن، ثم كانت بيد الحسين،) ثم بيد علي ابن الحسين والحسن بن الحسن، كلاهما يتداولانها، ثم بيد زيد، وهي صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً.
2 (خبر الردة)
لما اشتهرت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بالنواحي، ارتدت طوائف كثيرة من العرب عن الإسلام ومنعوا الزكاة، فنهض أبو بكر الصديق رضي الله عنه لقتالهم، فأشار عليه عمر وغيره أن يفتر عن قتالهم. فقال: والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابه على الله، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال وقد قال: إلا بحقها فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق، فعن
2

(3/27)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 28
عروة وغيره قال: فخرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار حتى بلغ نقعاً حذاء نجد، وهربت الأعراب بذراريهم، فكلم الناس أبا بكر وقالوا: ارجع إلى المدينة وإلى الذرية والنساء وأمر رجلاً على الجيش، ولم يزالوا به حتى رجع وأمر خالد بن الوليد، وقال له: إذا أسملوا وأعطوا الصدقة فمن شاء منكم فليرجع، ورجع أبو بكر إلى المدينة. وقال غيره: كان مسيره في جمادى الآخرة فبلغ ذا القصة، وهي على بريدين وأميال من ناحية طريق العراق، واستخلف على المدينة سناناً الضمري، وعلى حفظ أنقاب المدينة عبد الله بن مسعود. وقال ابن لهيعة: أنا أسامة بن زيد عن الزهري، عن حنظلة بن علي الليثي أن أبا بكر بعث خالداً، وأمره أن يقاتل الناس على خمس، من ترك واحدة منهن قاتله كما يقاتل من ترك الخمس جميعاً: على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. وقال عروة، عن عائشة: لو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها، أشرأب النفاق بالمدينة وارتدت العرب، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها من الإسلام. وعن يزيد بن رومان أن الناس قالوا له: إنك لا تصنع بالمسير بنفسك شيئاً، ولا تدري لمن) تقصد، فأمر من تثق به وارجع إلى المدينة، فإنك
2

(3/28)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 29
تركت بها النفاق يغلي، فعقد لخالد على الناس، وأمر على الأنصار خاصة ثابت بن قيس بن شماس، وأمر خالداً أن يصمد لطليحة الأسدي. وعن الزهري قال: سار خالد بن الوليد من ذي القصة في ألفين وسبعمائة إلى ثلاثة آلاف، يريد طليحة، ووجه عكاشة بن محصن الأسدي حليف بني شمس، وثابت بن أقرم الأنصاري رضي الله عنهما فانتهوا إلى قطن فصادفوا فيها حبالاً متوجهاً إلى طليحة بثقله، فقتلوه وأخذوا ما معه، فسار وراءهم طليحة وأخوه سلمة فقتلا عكاشة وثابتاً. وقال الوليد الموقري، عن الزهري قال: فسار خالد لقتال طليحة الكذاب فهزمه الله، وكان قد بايع عيينة بن حصن، فلما رأى طليحة كثرة انهزام أصحابه قال: ما يهزمكم فقال رجل: أنا أحدثك، ليس منا رجل إلا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله، وإنا نلقى قوماً كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه، وكان طليحة رجلاً شديد البأس في القتال، فقتل طليحة يومئذ عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم، وقال طليحة:
(عشية غادرت ابن أقرم ثاوياً.......... وعكاشة الغنمي تحت مجالي)
(أقمت لهم صدر الحمالة إنها.......... معاودة قبل الكماة نزالي)
(فيوماً تراها في الجلال مصونة.......... ويوماً تراها في ظلال عوال)
3

(3/29)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 30
(فما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم.......... أليسوا وإن لم يسلموا برجال)
(فإن تك أذواد أصبن ونسوة.......... فلم ترهبوا فرغاً بقتل حبال)
فلما غلب الحق طليحة ترجل. ثم أسلم وأهل بعمرة، فركب يسير في الناس آمناً، حتى مر بأبي بكر بالمدينة، ثم سار إلى مكة فقضى عمرته، ثم حسن إسلامه. وفي غير هذه الرواية أن خالداً لقي طليحة ببزاخة، ومع طليحة عيينة بن حصن، وقرة بن هبيرة القشيري، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم هرب طليحة وأسر عيينة وقرة، وبعث هما إلى أبي بكر فحقن دماءهما. وذكر أن قيس بن مكشوح أحد من قتل الأسود العنسي أرتد. وتابعه جماعة من أصحاب الأسود، وخافه أهل صنعاء، وأتى قيس إلى فيروز الديلمي وداذويه يستشيرهما في شأن أصحاب الأسود خديعة منه، فاطمأنا إليه، وصنع لهما من الغد طعاماً، فأتاه داذويه فقتله. ثم) أتاه فيروز ففطن بالأمر فهرب، ولقيه جشيش بن شهر ومضى معه إلى جبال خولان، وملك
3

(3/30)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 31
قيس صنعاء، فكتب فيروز إلى أبي بكر يستمده، فأمده، فلقوا قيساً فهزموه ثم أسروه وحملوه إلى أبي بكر فوبخه: فأنكر الردة: فعفا عنه أبو بكر. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: فسار خالد وكان سيفاً من سيوف الله تعالى فأسرع السير حتى نزل ببزاخة، وبعثت إليه طيء: إن شئت أن تقدم علينا فإنا سامعون مطيعون، وإن شئت، نسير إليك قال خالد: بل أنا ظاعن إليكم إن شاء الله، فلم يزل ببزاخة، وجمع له هناك العدو بنو أسد وغطفان فاقتتلوا، حتى قتل من العدو خلق وأسر منهم أسارى، فأمر خالد بالحظر أن تبنى ثم أوقد فيها النيران وألقى الأسارى فيها، ثم ظعن يريد طيئاً، فأقبلت بنو عامر وغطفان والناس مسلمين مقرين بأداء الحق، فقبل منهم خالد. وقتل في ذلك الوجه مالك بن نويرة التميمي في رجال معه من تميم، فقالت الأنصار: نحن راجعون، قد أقرت العرب بالذي كان عليها، فقال خالد ومن معه من المهاجرين: قد لعمري آذن لكم، وقد أجمع أميركم بالمسير إلى مسيلمة بن ثمامة الكذاب، ولا نرى أن تفرقوا على هذه الحال، فإن ذلك غير حسن، وإنه لا حجة لأحد منكم فارق أميره وهو أشد ما كان إليه حاجة، فأبت الأنصار إلا الرجوع، وعزم خالد ومن معه، وتخلطت الأنصار يوماً أو يومين ينظرون في أمرهم، وندموا وقالوا: ما لكم والله عذر عند الله ولا عند أبي بكر إن أصيب هذا الطرف وقد خذلناهم، فأسرعوا نحو خالد ولحقوا به، فسار إلى اليمامة، وكان مجاعة بن مرارة سيد بني حنيفة خرج في ثلاثة وعشرين فارساً يطلب دماء في بني عامر، فأحاط بهم المسلمون، فقتل
3

(3/31)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 32
أصحاب مجاعة وأوثقه. وقال العطاف بن خالد: حدثني أخي عبد الله عن بعض آل عدي، عن وحشي قال: خرجنا حتى أتينا طليحة فهزمهم الله، فقال خالد، لا أرجع حتى آتي مسيلمة حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال له ثابت بن قيس: إنما بعثنا إلى هؤلاء وقد كفى الله مؤنتهم، فلم يقبل منهم، وسار، ثم تبعه ثابت عد يوم في الأنصار. وقال الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: لما قدم وفد بزاخة أسد وغطفان على أبي بكر يسألونه الصلح، خيرهم أبو بكر بين حرب مجلية أو حطة مخزية، فقالوا: يا خليفة رسول الله أما الحرب فقد عرفناها، فما الحطة المخزية قال: تؤخذ منكم الحلقة والكراع) وتتركون أقواماً تتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة نبيه والمؤمنين أمراً يعذرونكم به، وتؤدون ما أصبتم منا ولا نؤدي ما أصبنا منكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وأن قتلاكم في النار، وتدون قتلانا ولا ندري قتلاكم، فقال عمر: أما قولك تدون قتلانا فإن قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات لهم. فاتبع عمر، وقال عمر في الباقي: نعم ما رأيت.
2 (مقتل مالك بن نويرة)
التميم الحنظلي اليربوعي قال ابن إسحاق: أتى خالد بن الوليد بمالك بن نويرة في رهط من
3

(3/32)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 33
قومه بني حنظلة، فضرب أعناقهم، وسار في أرض تميم، فلما غشوا قوماً منهم أخذوا السلاح وقالوا: نحن مسلمون، فقيل لهم: ضعوا السلاح، فوضعوه، ثم صلى المسلمون وصلوا. فروى سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: قدم أبو قتادة الأنصاري على أبي بكر رضي الله عنه فأخبره بقتل مالك بن نويرة وأصحابه، فجزع لذلك، ثم ودى مالكاً ورد السبي والمال. وروي أن مالكاً كان فارساً شجاعاً مطاعاً في قومه وفيه خيلاء، كان يقال له الجفول، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم فولاه صدقة قومه، ثم ارتد، فلما نازله خالد قال: أنا آتي بالصلاة دون الزكاة، فقال: أما علمت أن الصلاة والزكاة معاً لا تقبل واحدة دون الأخرى فقال: قد كان صاحبك يقول ذلك، قال خالد: وما تراه لك صاحباً والله لقد هممت أن أضرب
3

(3/33)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 34
عنقك، ثم تحاورا طويلاً فصمم على قتله: فكلمه أبو قتادة الأنصاري وابن عمر، فكره كلامهما، وقال لضرار بن الأزور: إضرب عنقه، فالتفت مالك إلى زوجته وقال: هذه التي قتلتني، وكانت في غاية الجمال، قال خالد: بل الله قتلك برجوعك عن الإسلام، فقال: أنا على الإسلام، فقال: إضرب عنقه، فضرب عنقه وجعل رأسه أحد أثافي قدر طبخ فيها طعام، ثم تزوج خالد بالمرأة، فقال أبو زهير السعدي من أبيات:
(قضى خالد بغياً عليه لعرسه.......... وكان له فيها هوى قبل ذلكا)
3

(3/34)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 35
3

(3/35)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 36
وذكر ابن الأثير في كامله وفي معرفة الصحابة قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، وظهرت سجاح وادعت النبوة صالحها مالك، ولم تظهر منه ردة، وأقام بالبطاح، فلما فرغ خالد من أسد وغطفان سار إلى مالك وبث سراياه فأتى بمالك. فذكر الحديث، وفيه: فلما قدم خالد قال عمر: يا عدو الله قتلت امرأً مسلماً ثم نزوت على امرأته،) لأرجمنك، وفيه أن أبا قتادة شهد أنهم أذنوا وصلوا. وقال الموقري، عن الزهري قال: وبعث خالد إلى مالك بن نويرة
3

(3/36)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 37
سرية فيهم أبو قتادة، فساروا يومهم سراعاً حتى انتهوا إلى محلة الحي، فخرج مالك في رهطه فقال: من أنتم قالوا: نحن المسلمون فزعم أبو قتادة أنه قال: وأنا عبد الله المسلم قال: فضع السلاح، فوضعه في اثني عشر رجلاً، فلما وضعوا السلاح ربطهم أمير تلك السرية وانطلق بهم أسارى، وسار معهم السبي حتى أتوا بهم خالداً، فحدث أبو قتادة خالداً أن لهم أماناً وأنهم قد ادعوا إسلاماً، وخالف أبا قتادة جماعة السرية فأخبروا خالداً أنه لم يكن لهم أمان، وإنما سيروا قسراً، فأمر بهم خالد فقتلوا وقبض سببهم، فركب أبو قتادة فرسه وسار قبل أبي بكر. فلما قدم عليه قال: تعلم أنه كان لمالك بن نويرة عهد وأنه ادعى إسلاماً، وإني نهيت خالداً فترك قولي وأخذ بشهادات الأعراب الذين يريدون الغنائم، فقام عمر فقال: يا أبا بكر إن في سيف خالد رهقاً، وإن هذا لم يكن حقاً فإن حقاً عليك أن تقيده، فسكت أبو بكر. ومضى خالد قبل اليمامة، وقدم متمم بن نويرة فأنشد أبا بكر مندبة ندب بها أخاه، وناشده في دم أخيه وفي سبيهم، فرد إليه أبو بكر السبي، وقال لعمر وهو يناشد في القود: ليس على خالد ما تقول، هبه تأول فأخطأ. قلت ومن المندبة:
(وكنا كندامى جذيمة حقبة .......... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا)

(فلما تفرقنا كأني ومالكاً .......... لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً)
3

(3/37)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 38
2 (قتال مسيلمة الكذاب)
ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: سار بنا خالد إلى اليمامة إلى مسيلمة، وخرج مسيلمة بمجموعة فنزلوا بعقرباء فحل بها خالد عليهم، وهي طرف اليمامة، وجعلوا الأموال خلفها كلها وريف اليمامة وراء ظهورهم. وقال شرحبيل بن مسيلمة: يا بني حنيفة اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم ستردف النساء سبيات وينكحن غير حظيات، فقاتلوا عن أحسابكم، فاقتتلوا بعقرباء قتالاً شديداً، فجال المسلمون جولة، ودخل ناس من بني خليفة فسطاط خالد وفيه مجاعة أسير، وأم تميم امرأة خالد، فأرادوا أن يقتلوها فقال مجاعة: أنها لها جار، ودفع عنها، وقال ثابت بن قيس حين رأى المسلمين مدبرين: أف لكم ولما تعلمون، وكر المسلمون فهزم الله العدو، ودخل نفر من المسلمين فسطاط خالد فأرادوا قتل مجاعة، فقالت أم تميم: والله لا يقتل وأجارته. وانهزم أعداء الله حتى إذا كانوا عند حديقة الموت اقتتلوا عندها، أشد القتال. وقال محكم بن الطفيل: يا بني حنيفة ادخلوا الحديقة
3

(3/38)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 39
فإني سأمنع أدباركم، فقاتل دونهم ساعة وقتل، وقال مسيلمة: يا قوم قاتلوا عن أحسابكم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، حتى قتل مسيلمة. وحدثني مولى بني نوفل. وقال الموقري، عن الزهري: قاتل خالد مسيلمة ومن معه من بني حنيفة، وهم يومئذ أكثر العرب عدداً وأشده شوكة، فاستشهد خلق كثير، وهزم الله بني حنيفة، وقتل مسيلمة، قتله وحشي بحربة. وكان يقال: قتل وحشي خير أهل الأرض بعد رسوله صلى الله عليه وسلم شر أهل الأرض. وعن وحشي قال: لم أر قط أصبر على الموت من أصحاب مسيلمة، ثم ذكر أنه شارك في قتل مسيلمة. وقال ابن عون، عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: لما كان يوم اليمامة دخل ثابت بن قيس فتحنط، ثم قام فأتى الصف والناس منهزمون فقال: هكذا عن وجوهنا، فضارب القوم ثم قال: بئسما عودتم أقرانكم، ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشهد رضي الله عنه. وقال الموقري، عن الزهري قال: ثم تحصن من بني حنيفة من أهل اليمامة ستة آلاف مقاتل) في حصنهم، فنزلوا على حكم خالد فاستحياهم. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: وعمدت بنو حنيفة حين انهزموا إلى الحصون فدخلوها، فأراد خالد أن ينهد إليهم الكتائب، فلم
4

(3/39)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 40
يزل مجاعة حتى صالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة والكراع، وعلى نصف الرقيق وعلى حائط من كل قرية، فتقاضوا على ذلك. وقال سلامة بن عمير الحنفي: يا بني حنيفة قاتلوا ولا تقاضوا خالداً على شيء، فإن الحصن حصين، والطعام كثير، وقد حضر النساء، فقال مجاعة: لا تطيعوه فإنه مشؤوم. فأطاعوا مجاعة. ثم أن خالداً دعاهم إلى الإسلام والبراءة مما كانوا عليه، فأسلم سائرهم. وقال ابن إسحاق، إن خالداً قال: يا بني حنيفة ما تقولون قالوا: منا نبي ومنكم نبي، فعرضهم على السيف، يعني العشرين الذين كانوا مع مجاعة بن مرارة، وأوثقه هو في الحديد، ثم التقى الجمعان فقال يزيد بن الخطاب حين كشف الناس: لا نجوت بعد الرجال، ثم قاتل حتى قتل. وقال ابن سيرين: كانوا يرون أن أبا مريم الحنفي قتل زيداً. وقال ابن إسحاق: رمى عبد الرحمن بن أبي بكر محكم اليمامة بن طفيل بسهم فقتله. قلت: واختلفوا في وقعة اليمامة متى كانت: فقال خليفة بن خياط، ومحمد بن جرير الطبري: كانت في سنة إحدى عشرة. قال عبد الباقي بن قانع: كانت في آخر سنة إحدى عشرة.
4

(3/40)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 41
وقال أبو معشر: كانت اليمامة في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة. فجميع من قتل يومئذ أربعمائة وخمسون رجلاً. وقال الواقدي: كانت سنة اثنتي عشرة، وكذلك قال أبو نعيم، ومعن ابن عيسى، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وغيرهم. قلت: ولعل مبدأ وقعة اليمامة كان في آخر سنة إحدى عشرة كما قال ابن قانع، ومنتهاها في أوائل سنة اثنتي عشرة، فإنها بقيت أياماً لمكان الحصار. وسأعيد ذكرها والشهداء بها في أول سنة اثنتي عشرة إن شاء الله.
4

(3/41)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 42
4

(3/42)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 43
2 (المتوفون هذه السنة)

2 (فاطمة رضي الله عنها)
وهي سيدة نساء هذه الأمة، كنيتها فيما بلغنا أم أبيها، دخل بها علي بعد وقعة بدر، وقد استكملت خمس عشرة سنة أو أكثر. روى عنها: ابنها الحسين، وعائشة، وأم سلمة، وأنس، وغيرهم. وقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أسر إليها في مرضه. وقالت لأنس: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولها مناقب مشهورة ولقد جمعها أبو عبد الله الحاكم. وكانت أصغر من زينب، ورقية، وانقطع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا منها، لأن أمامة
4

(3/43)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 44
بنت زينب تزوجت بعلي، ثم بعده بالمغيرة بن نوفل، وجاءها منها أولاد. قال الزبير بن بكار: انقرض عقرب زينب. وصح عن المسور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها. وفي فاطمة وزوجها وبنيها نزلت: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي. وأخرج الترمذي، من حديث عائشة أنها قيل لها: أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فاطمة من قبل النساء، ومن الرجال زوجها، وإن كان ما علمت قواماً.
4

(3/44)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 45
وفي الترمذي، عن زيد أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمة وابنيهما: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم. وقد أخبرها أبوها أنها سيدة نساء هذه الأمة في مرضه كما تقدم. وخلفت من الأولاد: الحسن، والحسين، وزينب، وأم كلثوم. فأما زينب فتزوجها عبد الله بن جعفر، فتوفيت عنده وولدت له عوناً وعلياً. وأما أم كلوم فتزوجها عمر، فولدت له زيداً، ثم تزوجها بعد قتل عمر عون بن جعفر فمات، ثم تزوجها أخوه محمد بن جعفر، فولدت له بنته، ثم تزوج بها أخوه عبد الله بن جعفر، فماتت عنده. قاله الزهري. وقال الأعمش، عن عون بن مرة، عن أبي البختري قال: قال علي لأمه: إكفي فاطمة الخدمة) خارجاً، وتكفيك العمل في البيت: العجن والخبز والطحن. أبو العباس السراج: ثنا محمد بن الصباح، ثنا على بني هاشم، عن كثير النواء، عن، عمران بن حصين، أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد فاطمة وهي مريضة فقال لها: كيف تجدينك قالت: إني وجعة وإنه ليزيدني أني مالي طعام آكله، قال: يا بنية أما ترضين أن تكوني سيدة العالمين، قالت: فأين مريم قال: تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك، أما والله لقد زوجتك سيداً في الدنيا والآخرة. هذا حديث ضعيف، وأيضاً فقد سقط بين كثير وعمران رجل.
4

(3/45)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 46
وقال علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم، وآسية. رواه أبو داود. وقال أبو جعفر الرازي عن ثابت، عن أنس مثله مرفوعاً ولفظه: خير نساء العالمين أربع. وقال معمر بن قتادة، عن أنس رفعه: حسبك من نساء العالمين أربع وذكرهن. ويروي نحوه من حديث أبي هريرة وغيره. وقال ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة قالت: ما رأيت أحداً أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ورحب بها كما كانت هي تصنع به، وقد شهت عائشة مشيتها بمشية النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كانت وجدت على أبي بكر حين طلبت سهمها من فدك، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما تركنا صدقة.
4

(3/46)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 47
وقال أبو حمزة السكري، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر فاستأذن، فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحب أن آذن له قال: نعم، فأذنت له، فدخل عليها يترضاها وقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ورسوله ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضاها حتى رضيت. وقال الزهري عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة عاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، ودفنت ليلاً.) وقال الواقدي: هذا أثبت الأقاويل عندنا. وقال: وصلى عليها العباس، ونزل في حفرتها هو علي، والفضل بن العباس. وقال سعيد بن عفير: ماتت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان، وهي بنت سبع وعشرين سنة أو نحوها، ودفنت ليلاً. وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: مكثت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر وهي تذوب. وقال أبو جعفر الباقر: ماتت بعد أبيها بثلاثة أشهر.
4

(3/47)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 48
وروى عن الزهري أنها توفيت بعده بثلاثة أشهر. وروي عن ابن أبي ملكية، عن عائشة قالت: كان بينها وبين أبيها شهران. وهذا غريب. قلت: والصحيح أن سنها أربع وعشرون سنة رضي الله عنها. وقد روي عن أبي جعفر محمد بن علي أنها توفيت بنت ثمان وعشرين سنة، كان مولدها وقريش تبني الكعبة، وغسلها علي. قال قتيبة: نا محمد بن موسى، عن عون بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أمه أم جعفر، وعن عمارة بن مهاجر، عن أم جعفر، أن فاطمة قالت لأسماء بنت عميس: إني أستقبح ما يصنع بالنساء: يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت: يا بنت رسول الله ألا أريك شيئاً رأيته بالحبشة فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوباً، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، إذا مت فغسليني أنت وعلي، ولا يدخلن علي أحد. فلما توفيت جاءت عائشة تدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي، فشكت إلى أبي بكر، فجاء فوقف على الباب فكلم أسماء فقالت: هي أمرتني، قال: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف. قال ابن عبد البر: فهي أول من غطى نعشها في الإسلام على تلك الصفة.
2 (أم ايمن)
مولاة النبي صلى الله عليه وسلم وحاضنته، ورثها من أبيه، واسمها بركة، من كبار المهاجرات، وقد زارها أبو بكر وعمر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فبكت، فقال لها أبو بكر: أتبكين ! ما عند الله
4

(3/48)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 49
خير لرسوله. فقالت: ما أبكي لذلك، ولكن أبكي لأن الوحي انقطع عنا من السماء، فهيجتهما، على البكاء.) توفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر. وهي أم أسامة بن زيد. ومن مناقب أم أيمن، قال جرير بن حازم: سمعت عثمان بن القاسم يقول: لما هاجرت أم أيمن أمست بدون الروحاء فعطشت وليس معه ماء، فدلي عليها من السماء دلو فشربت، فكانت تقول: ما عطشت بعدها، عطشت ولقد تعرضت للعطش فأصوم في الهواجر فما عطشت. وعن أبي الحويرث أن أم أيمن قالت يوم حنين: سبت الله أقدمكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اسكتي يا أم أيمن فإنك عثراء اللسان. وذكر الواقي أنها بقيت إلى أول خلافة عثمان.
2 (عبد الله بن أبي بكر الصديق)
قيل: إنه أسلم قديماً، ولكن لم يسمع له بمشهد، جرح يوم الطائف، رماه يومئذ بسهم أبو محجن الثقفي، فلم يزل يتألم منه، ثم اندمل الجرح، ثم إنه انتقض عليه. وتوفي في شوال سنة إحدى عشرة، ونزل في حفرته عمر، وطلحة، وعبد الرحمن بن أبي بكر أخوه. ذكره محمد بن جرير وغيره. وقيل هو
5

(3/49)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 50
الذي كان يأتي بالطعام وبأخبار قرش إلى الغار تلك الليالي الثلاث.
2 (عكاشة بن محصن الأسدي)
أبو محصن، من السابقين الأولين، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة في حديث سبقك بها عكاشة وهو أيضاً بدري أحدي، إستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على سرية الغمر فلم يلقوا كيداً. ويروى عن أم قيس بنت محصن قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعكاشة ابن أربع وأربعين سنة. وقتل بعد ذلك بسنة ببزاخة في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة، وكان من أجمل الرجال.
5

(3/50)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 51
كذا روي أن بزاخة سنة اثنتي عشرة، والصحيح أنها سنة إحدى عشرة. قتله طليحة الأسدي. وقد أبلى عكاشة يوم بدر بلاءً حسناً، وانكسر في يده سيف، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم عرجوناً أو عوداً فعاد سيفاً، فقاتل به، ثم شهد به المشاهد. روى عنه أبو هريرة وابن عباس.
2 (ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي بن عجلان)
وبنو العجلان حلفاء بني زيد بن مالك بن عوف. شهد بدراً والمشاهد، سيره خالد بن الوليد مع) عكاشة طليعة على فرسين، فقتلهما طليحة وأخوه. وذكر
5

(3/51)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 52
الواقدي أن قتلهما كان يوم بزاخة سنة اثنتي عشرة، كذا قال. وكان ثابت من سادة الأنصار.
2 (الوليد بن عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي)
أخو أبي عبيدة قتلا بالبطاح مع عمهما خالد في سنة إحدى عشرة، وأبوهما هو الذي سار مع عمرو بن العاص إلى النجاشي، وقصته مشهورة. تأخرت وفاته.
5

(3/52)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 53
(أحداث سنة اثنتي عشرة)
2 (وقعة اليمامة)
في أوائلها على الأشهر وقعة اليمامة، وأمير المسلمين خالد بن الوليد، ورأس الكفر مسيلمة الكذاب، فقتله الله. واستشهد خلق من الصحابة.
2 (الوفيات)
2 (أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي)
قيل اسمه مهشم، أسلم قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وشهد بدراً وما بعدها، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، فولد له بها محمد بن أبي حذيفة الذي حرض المصريين على قتال عثمان من سهلة بنت سهيل بن عمرو. وعن أبي الزناد قال: دعا أبو حذيفة بن عتبة يوم بدر أباه إلى البراز، فقالت أخته هند بن عتبة، وهي والدة معاوية:

(3/53)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 54
(الأحول الأثعل الملعون طائره .......... أبو حذيفة شر الناس في الدين)

(أما شكرت أباً رباك من صغر .......... حتى شببت شباباً غير محجون)
قال: وكان أبو حذيفة طويلاً، حسن الوجه، مرادف الأسنان وهو الأثعل وكان أحول، وقتل يوم اليمامة وله ثلاث وخمسون سنة، رضي الله عنه.
2 (سالم مولى أبي حذيفة بن عتبة)
قال موسى بن عقبة: هو سالم بن معقل، أصله من إصطخر، والي أبا حذيفة. وإنما أعتقته ثبيتة بنت يعار الأنصارية زوجة أبي حذيفة، وتبناه أبو حذيفة. قال ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد: إن سهلة بنت سهيل بن عمرو أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي امرأة أبي حذيفة فقالت: سالم معي، وقد أدرك ما
5

(3/54)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 55
يدرك الرجال، فقال: (أرضعيه فإذا أرضعتيه فقد حرم عليك ما يحرم من ذي المحرم، فعن أم سلمة قالت: أبى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل أحد عليهن بهذا الرضاع، وقلن: إنما هذا رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة. وعن ابن عمر قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين من مكة حتى قدم المدينة لأنه كان أقرأهم. وقال الواقدي: حثني أفلح بن سعيد، عن ابن كعب القرظي قال: كان سالم يؤم المهاجرين بقباء، فيهم عمر بن الخطاب قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال حنظلة بن أبي سفيان، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عائشة قالت: استبطأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: ما حبسك قلت: إني في المسجد لأحسن من سمعت صوتاً بالقرآن، فأخذ رداءه وخرج يسمعه، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة فقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك. إسناده قوي.

(3/55)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 56
وقال عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: إن المهاجرين نزلوا بالعصبة إلى جنب قباء، فأمهم سالم مولى أبي حذيفة، لأنه كان أكثرهم قرآناً، فيهم عمر، وأبو سلمة بن عبد الأسد. وعن محمد بن إبراهيم التميمي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سالم مولى أبي حذيفة وأبي عبيدة بن الجراح. في مسند أحمد: نا عفان، نا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، أن عمر قال: من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله، فقال سعيد بن زيد: أما إنك لو أشرت برجل من المسلمين لائتمنك الناس، وقد فعل ذلك أبو بكر وائتمنه الناس، فقال: قد رأيت من أصحابي حرصاً سيئاً، وإني جاعل هذا الأمر إلى هؤلاء النفر السنة، ثم قال: لو أدركني أحد رجلين ثم رجعت إليه الأمر فوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح.
5

(3/56)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 57
وقال عبد الله بن عمرو: قال رول الله صلى الله عليه وسلم: استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأبي، ومعاذ، وسالم مولى حذيفة. ومن طريق الواقدي بإسناده، عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال: لما انكشف المسلمون يوم اليمامة قال سالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله صلى الله) عليه وسلم، فحفر لنفسه حفرة، فقام فيها ومعه راية المهاجرين يومئذ، ثم قاتل حتى قتل شهيداً سنة اثنتي عشرة. وقال عبيد بن أبي الجعد، عن عبد الله بن شداد بن الهاد: إن سالماً باع عمر ميراثه، فبلغ مائتي درهم، فأعطاها أمه فقال: كليها. وقال غيره: وجد سالم ومولاه رأس أحدهما عند رجلي الآخر صريعين. وقد شهد سالم بدراً والمشاهد.
2 (شجاع بن وهب بن ربيعة الأسدي)
أبو وهب، مهاجري بدري.
5

(3/57)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 58
كان رجلاً طوالاً نحيفاً أجنى، وقد هاجر إلى الحبشة، يقال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أوس بن خولي. وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم على سرية أربعة وعشرين رجلاً فأصابوا نعماً وشاة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن أبي سمرة الغساني، بدمشق بالغوطة، فلم يسلم، وأسلم حاجبه مري. وشهد شجاع بدراً والمشاهد، واستشهد باليمامة عن بضع وأربعين سنة. وكان من حلفاء بني عبد شمس.
2 (زيد بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي)
أبو عبد الرحمن. كان أسن من عمر،
5

(3/58)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 59
وأسلم قبله. وكان طويلاً بمرة، أسمر، شهد بدراً والمشاهد. قال له عمر يوم أحد. خذ درعي، قال: إني أريد من الشهادة كما تريد، فتركاها. وكان له من لبابة بنت أبي لبابة بن عبد المنذر ولد اسمه عبد الرحمن. وقيل: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين زيد ومعن بن عدي العجلاني، واستشهد باليمامة. وقد روى عاصم بن عبيد الله، عن عبد الحمن بن زيد بن الخطاب، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرقاءكم أرقاءكم أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون. الحديث. وجاء أن راية المسلمين يوم اليمامة كانت مع زيد، فلم يزل يتقدم بها في نحر العدو، ثم قاتل) حتى قتل، فأخذها سالم مولى أبي حذيفة. وكان زيد يقول ويصيح: اللهم إني أعتذر إليك من فرار أصحابي أبرأ إليك مما جاء به مسيلمة ومحكم بن الطفيل.
6

(3/59)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 60
وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون قال: وحدثني عبد العزيز بن الماجشون قالا: قال عمر لمتمم بن نويرة: ما أشد ما لقيت على أخيك من الحزن فقال: كانت عيني هذه قد ذهبت، فبكيت بالصحيحة حتى أسعدتها الذاهبة وجرت بالدمع، فقال: إن هذا لحزن شديد، ثم قال عمر: يرحم الله زيد بن الخطاب إني لأحسب أني لو كنت أقدر على أن أقول الشعر لبكيته كما بكيت أخاك، فقال: لو قتل أخي يوم اليمامة كما فتل زيد ما بكيته أبداً، فأبصر عمر وتعزى عن أخيه، وكان قد حزن عليه حزناً شديداً، وكان يقول: إن الصبا لتهب فتأتيني بريح زيد. قال ابن أبي عون: ما كان عمر يقول من الشعر ولا بيتاً واحداً. وعن عمر أنه كان يقول: أسلم قبلي واستشهد قبلي. وقد روى عنه ابنه، وابن عمر، له عنه النهي عن قتل ذوات البيوت.
6

(3/60)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 61
2 (حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزومي)
له هجرة، وقيل أسلم يوم الفتح، وهو جد سعيد بن المسيب، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغير اسمه وقال: أنت سهل، فقال: لا أغير اسمي. قتل يوم اليمامة، وقيل يوم بزاخة.
2 (عبد الله بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود)
القرشي العامري أبو سهيل. استشهد يومئذ وله ثمان وثلاثون سنة. وكان أقبل يوم بدر مع قريش فانحاز إلى المسلمين وشهد بدراً. وقال الواقدي: لما حج أبو بكر لقي أباه بمكة فعزاه به، فقال سهيل: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يشفع الشهيد لسبعين من أهله، فأرجو أن يبدأ بي. وقد كان عبد الله هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى.
6

(3/61)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 62
2 (مالك بن عمرو)
حليف بني غنم. مهاجري بدري، استشهد يومئذ.
2 (الطفيل بن عمرو الدوسي الأزدي)
كان يسمى ذا القطنتين، وقدم المدينة في خلافة أبي بكر، وغزا اليمامة فاستشهد هو وابنه.) وكان شريفاً شاعراً لبيباً.
6

(3/62)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 63
طول ابن عبد البر ترجمة الطفيل، وساق قصة إسلامه بمكة، وفي آخر الخبر قال: فلما بعث الصديق بعثه إلى مسيلمة قال: خرجت ومعي ابني عمرو فرأيت كأن رأسي حلق وخرج من فمي طائر، وكأن امرأة أدخلتني فرجها، فأولتها حلق رأسي قطعه، وأما الطائر فروحي، وأما المرأة فالأرض أدفن فيها. فاستشهد يوم اليمامة.
2 (يزيد بن رقيش بن رباب الأسدي)
شهد بدراً. وقتل يوم اليمامة.
2 (أسماء جماعة آخرين من الشهداء)
عبد الله بن مخزمة، السائب بن عثمان بن مظعون، وممن استشهد يومئذ: الحكم بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، والسائب بن عثمان بن مظعون وهو شاب أصابه سهم، ويزيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الأنصاري أخو زيد بن ثابت. ومخرمة بن شريح الحضرمي حليف بني عبد شمس، وجبير بن مالك، وأمه بحينة وهو أخو عبد الله بن
6

(3/63)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 64
مالك من الأزد، وهم حلفاء بني المطلب بن عبد مناف، والسائب بن العوام ابن خويلد الأسدي أخو الزبير، ووهب بن حزن بن أبي وهب المخزومي عم سعيد بن المسيب، وأخوه حكيم، وأخوهما عبد الرحمن بن حزن، وأبوهم وقد ذكر، وعامر بن البكير الليثي حليف بني عدي، وهو أحد من شهد بدراً، ومالك بن ربيعة حليف بني عبد شمس، وأبو أمية صفوان بن أمية بن عمرو، وأخوه مالك المتقدم، ويزيد بن أوس حليف بني عبد الدار، وحيي وقيل معلى بن جارية الثقفي، وحبيب بن أسيد بن جارية الثقفي، والوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزومي، وعبد الله بن عمرو بن بجرة العدوي، وأبو قيس بن الحارث بن قيس السهمي، وعبد الله بن الحارث بن قيس السهمي وأخوه، وهما من مهاجرة الحبشة. وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزي بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر العامري من المهاجرين الأولين، شهد بدرا والمشاهد، كنيته أبو محمد، وعاش إحدى وأربعين سنة. ومن ذريته نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة. وعمرو بن أويس بن سعد بن أبي سرح العامري، وسليط بن سليط بن عمرو العامري، وربيعة بن أبي خرشة العامري، وعبد الله بن الحارث بن رحضة من بني عامر.)
6

(3/64)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 65
والسائب بن عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وأمه خولة بنت حكيم السلمية بنت ضعيفة بنت العاص بن أمية بن عبد شمس. هاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة. قيل آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين حارثة بن سراقة الأنصاري، واستشهد حارثة ببدر، وكان السائب من الرماة المذكورين، شهد بدراً على الصحيح، أصابه يوم اليمامة سهم فمات منه. واستشهد من الأنصار: عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعواء بن عبد الأشهل الأوسي البدري أبو الربيع من فضلاء الصحابة، عاش خمساً وأربعين سنة، وهو الذي أضاءت عصاه ليلة حين انقلب إلى منزله، وكان قد سمر عند النبي صلى الله عليه وسلم.
6

(3/65)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 66
أسلم عباد على يدي مصعب بن عمير، وكان فيمن قتل كعب بن الأشرف. واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات مزينة وبني سليم، وعلى حرسه بتبوك. وأبلى يوم اليمامة بلاءً حسناً، وكان من الشجعان. وعن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً، كلهم من بني عبد الأسهل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر. رواه ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عائشة. روي عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فسمع صوت عباد بن بشر فقال: يا عائشة هذا صوت عباد قلت: نعم، قال: اللهم اغفر له. قلت: روى حديثاً لعباد: حماد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن حصين بن عبد الرحمن بن عبد الله الخطمي، عن عبد الرحمن بن
6

(3/66)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 67
ثابت الأنصاري عنه مرفوعاً: يا معشر الأنصار أنتم الشعار والناس الدثار. وقال ابن المديني: لا أحفظ لعباد غيره. معن بن عدي بن الجد بن العجلان الأنصاري أحدحلفاء بني مالك بن عوف، وهو أحد من شهد العقبة وبدراً، وكان يكتب العربية قبل الإسلام، وله عقب اليوم. قاله ابن سعد. وقال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن معن بن عدي أحد الذين لقيا أبا بكر وعمر، وهما يريدان سقيفة بني ساعدة فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم واقضوا أمركم. وقال عروة: بلغنا أن الناس بكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ليتنا متنا قبله،) نخشى أن نفتتن بعده، فقال معن: لكني والله ما أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتاً كما أصدقه حياً. فقتل يوم مسيلمة.
6

(3/67)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 68
عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم الذي يقال له الحبلى لعظم بطنه بن غنم بن عوف بن الخزرج الأنصاري المعروف بابن سلول، وهي أم أبي بن مالك، وكانت خزاعية، وأبوه المنافق المشهور. كان عبد الله من فضلاء الصحابة، وكان اسمه الحباب، وبه كان يكنى أبوه، فلما أسلم سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله. شهد بدراً وما بعدها. وذكر ابن منده أن أنفه أصيبت يوم أحد، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب. وروي عن عائشة، عن عبد الله بن عبد الله قال: ندرت ثنيتي فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أتخذ ثنية من ذهب. وهذا أثبت من قول ابن منده. استشهد
6

(3/68)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 69
يوم اليمامة. ثابت بن قيس بن شماس من بني الحارث بن الخزرج، لم يشهد بدراً، وكان أمير الأنصار في قتال أهل الردة كما ذكرنا. قال ابن إسحاق: قال ثابت بن قيس: بئس ما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين، ثم قاتل حتى قتل. وزحف المسلمون حتى ألجئوهم إلى الحديثة وفيها مسيلمة عدو الله، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليه، فاحتمل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم إليهم فقاتلهم حتى فتح الحديقة للمسلمين.
7

(3/69)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 70
أبو دجانة سماك بن خرشة بن لوذان بن عبد ود بن زيد الساعدي. كانت عليه يوم بدر عصابة حمراء، قيل آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عتبة بن غزوان. وقال الواقدي: وثبت أبو دجانة يوم أحد مع النبي صلى الله عليه وسلم وبايعه على الموت، وهو ممن شرك في قتل مسيلمة، وقتل يومئذ. وقال ابن سعد: لأبي دجانة عقب بالمدينة وبغداد إلى اليوم. وقال زيد بن أسلم: دخل على أبي دجانة وهو مريض وكان وجهه يتهلل فقيل له: ما) لوجهك يتهلل فقال: ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، والأخرى فكان قلبي للمسلمين سليماً. وقال عن أنس: إن أبا دجانة رمى بنفسه إلى داخل الحديقة فانكسرت
7

(3/70)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 71
رجله، فقاتل وهو مكسور الرجل حتى قتل. عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان من بني مالك بن النجار، وهو أخو عمرو بن حزم. شهد عمارة العقبة وبدراً، وكانت معه راية بني مالك بن النجار يوم الفتح، ولم يعقب. عقبة بن عامر بن نابئ بن زيد بن حرام السلمي. شهد العقبة الأولى، ويجعل في النفر الستة الذين أسلموا بمكة أول الانصار، وشهد بدراً والمشاهد، وليس له عقب. ثابت بن هزال من بني سالم بن عوف.
7

(3/71)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 72
شهد بدراً في قول جماعة، وقتل يومئذ. أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة من بني جحجبا. اسمه عبد الرحمن. شهد بدراً والمشاهد كلها، وكان من سادة الأنصار، أصابه سهم يوم اليمامة فنزعه، وتحزم وأخذ السيف وقاتل حتى قتل، فوجد به جراحات كثيرة. وممن استشهد يومئذ من الأنصار: عبد الله بن عتيك، ورافع بن سهل، وحاجب بن يزيد الأشهلي، وسهل بن عدي، ومالك بن أوس بن عتيك، وعمير بن أوس أخوه، وطلحة بن عتبة من بني جحجبا، ورباح مولى الحارث، ومعن بن عدي العجلاني بخلف. واستشهد من الأنصار يومئذ: جرو بن مالك بن عامر الأنصاري من بني جحجبا، وقيل جزء بالزاي، وودقة بن إياس بن عمرو الخزرجي الأنصاري أحد من شهد بدراً، وجرول بن العباس، وعامر بن ثابت، وبشر بن عبد الله الخزرجي، وكليب بن تميم، وعبد الله بن عتبان، وإياس بن ودقة،
7

(3/72)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 73
وأسيد بن يربوع، وسعد بن حارثة، وسهل بن حمان، ومخاشن من حمير، وسلمة بن مسعود وقيل مسعود بن سنان، وضمرة بن عياض، وعبد الله بن أنيس، وأبو حبة بن غزية المازني، وحبيب بن زيد، وحبيب بن عمرو بن محصن، وثابت بن خالد، وفروة بن النعمان، وعائذ بن ماعص. قال خليفة: فجميع من استشهد من المهاجرين والأنصار ثمانية وخمسون رجلاً، يعني يوم) اليمامة. وقيل إن مسيلمة قتل عن مائة وخمسين سنة، وكان قد ادعى النبوة، وتسمى برحمان اليمامة فيما قيل قبل أن يولد عبد الله أبو النبي صلى الله عليه وسلم، وقرآن مسيلمة ضحكة للسامعين.
2 (وقعة جواثا)
بعث الصديق رضي الله عنه العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وكانوا قد ارتدوا إلا نفراً ثبتوا مع الجارود فالتقوا بجواثا فهزمهم الله. قال ابن إسحاق: حاصرهم العلاء بجواثا حتى كاد المسلمون يهلكون
7

(3/73)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 74
من الجهد، ثم أنهم سكروا ليلة في حصنهم، فبيتهم العلاء، فقيل: إن عبد الله بن عبد الله بن أبي استشهد يوم جواثا لا يوم اليمامة، شهد بدراً. وفيها بعث الصديق عكرمة بن أبي جهل إلى عمان وكانوا ارتدوا وبعث المهاجرين أبي أمية المخزومي إلى أهل النجير وكانوا ارتدوا، وبعث زياد بن لبيد الأنصاري إلى طائفة من المرتدة. فقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن زياداً بيتهم فقتل ملوكاً أربعة: حمداً، ومخوصاً، ومشرحاً، وأبضعة. وفيها أقام الحج أبو بكر للناس.
2 (وفاة أبو العاص بن الربيع)
ابن شمس العبشمي، زوج زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم وابن خالتها هالة بنت خويلد بن أسد، فولدت من أبي العاص علياً ومات صغيراً، وأمامة
7

(3/74)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 75
وهي التي حملها النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وقد تزوج علي أمامة بعد موت خالتها فاطمة. وكان أبو العاص يسمى جرو البطحاء. أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر، ثم رجع إلى مكة. وقال المسور بن مخرمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثنى على أبي العاص في مصاهرته وقال: حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي.
7

(3/75)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 76
قلت: كان وعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم زوجته، فوفى بذلك وفارقها مع حبه لها.) وكان من تجار قريش وأمنائهم، وقد تقدم من شأنه بعد بدر. توفي في ذي الحجة، وأوصى إلى الزبير. الصعب بن جثامة الليثي الحجازي، وكان ينزل ودان، وهو الذي أهدى للنبي حمار وحش.
7

(3/76)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 77
روى عنه حديثه ابن عباس. توفي في إمرة أبي بكر. م د ت ن أبو مرثد الغنوي إسمه كناز بن الحصين، حليف حمزة بن عبد المطلب. شهد بدراً والمشاهد، وابنه مرثد بدري أيضاً. ولابن ابنه أنيس بن مرثد صحبة. روى عن أبي مرثد: واثلة بن الأسقع حديث لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها. وفيها: بعد فراغ قتال أهل الردة بعث أبو بكر الصديق خالد بن الوليد إلى البصرة، وكانت تسمى أرض الهند، فسار خالد بمن معه من اليمامة إلى أرض البصرة، فغزا الأبلة فافتتحها، ودخل ميسان فغنم
7

(3/77)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 78
وسبى من القرى، ثم سار نحو السواد، فأخذ على أرض كسكر وزندورد بعد أن استخلف على البصرة قطبة بن قتادة السدوسي، وصالح خالد أهل أليس على ألف دينار في شهر رجب من السنة، ثم افتتح نهر الملك، وصالحه ابن بقلية صاحب الحيرة على تسعين ألفاً، ثم سار نحو أهل الأنبار فصالحوه.
2 (خالد يحاصر عين التمر)
ثم حاصر عين التمر ونزلوا على حكمه، فقتل وسبى. وقتل من المسلمين بعين التمر: بشير بن سعد بن ثعلبة أبو النعمان الأنصاري الخزرجي، وكان من كبار الأنصار، شهد بدراً والعقبة.
7

(3/78)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 79
وقيل: إنه أول من أسلم من الأنصار.
2 (جمع زيد بن ثابت للمصحف)
وفيها لما استحر القتل بقراء القرآن يوم اليمامة أمر أبو بكر بكتابة القرآن زيد بن ثابت، فأخذ يتتبعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى جمعه زيد في صحف. قال محمد بن جرير الطبري: ولما فرغ خالد من فتوح مدائن كسرى التي بالعراق صلحاً وحرباً خرج لخمس بقين من ذي القعدة فكتما بحجته، ومعه جماعة تعتسف البلاد حتى أتى مكة، فتأتي له من ذلك ما لم يتأت لدليل، فسار طريقاً من طرق الحيرة لم ير قط أعجب منه ولا أصعب، فكانت غيبته عن الجند يسيرة، فلم يعلم بحجه أحد إلا من أفضى إليه بذلك. فلما علم أبو بكر بحجة عتبة وعنفه وعاقبه بأن صرفه إلى الشام، فلما وافاه كتاب أبي بكر عند منصرفه من حجه بالحيرة يأمره بانصرافه إلى الشام حتى يأتي من بها من جموع المسلمين باليرموك، ويقول له: إياك أن تعود لمثلها.
8

(3/79)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 80
قلت: وإنما جاء الكتاب بأن يسير إلى الشام في أوائل سنة ثلاث عشرة. قلت: سار خالد بجيشه من العراق إلى الشام في البرية، وكادوا يهلكون عطشاً. قال الواقدي: ثنا موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر أن اكتب إلى خالد بن الوليد يسير بمن معه إلى عمرو بن العاص مدداً له، فلما أتى كتاب أبي بكر خالداً قال: هذا من عمر حسدني على فتح العراق وأن يكون على يدي، فأحب أن يجعلني مدداً لعمرو، فإن كان فتح كان ذكره له دوني.
8

(3/80)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 81
(أحداث سنة ثلاث عشرة)
قال إسحاق: لما قفل أبو بكر عن الحج بعث عمرو بن العاص قبل فلسطين، ويزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة، وأمرهم أن يسلكوا على البلقاء. وروى جرير قال: قالوا لما وجه أبو بكر الجنود إلى الشام أول سنة ثلاث عشرة، فأول لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاص، ثم عزله قبل أن يسير خالد، وقيل: بل عزله بعد أشهر من مسيره، وكتب إلى خالد فسار إلى الشام، فأغار على غسان بمرج راهط، ثم سار فنزل على قناة بصرى، وقدم أبو عبيدة وصاحباه فصالحوا أهل بصرى، فكانت أول ما فتح من مدائن الشام، وصالح خالد في وجهه ذلك أهل تدمر.
8

(3/81)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 82
قال ابن إسحاق: ثم ساروا جميعاً قبل فلسطين، فالتقوا بأجنادين بين الرملة، وبين جبرين، والأمراء كل على جنده، وقيل: إن عمراً كان عليهم جميعاً، وعلى الروم القبقلار فقتل، وانهزم المشركون يوم السبت لثلاث من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة. فاستشهد نعيم بن عبد الله بن النحام، وهشام بن العاص، والفضل بن العباس، وأبان بن سعيد. وقال الواقدي: الثبت عندنا أن أجنادين كانت في جمادى الأولى، وبشر بها أبو بكر وهو بآخر رمق. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: قتل من المسلمين يوم أجنادين عمرو، وأبان، وخالد بنو سعيد بن العاص بن أمية، والطفيل بن عمرو، وعبد الله بن عمرو الدوسيان، وضرار بن الأزور، وعكرمة بن أبي
8

(3/82)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 83
جهل بن هشام، وسلمة بن هشام بن المغيرة عم عكرمة، وهبار بن سفيان المخزومي، ونعيم بن النحام، وصخر بن نصر العدويان، وهشام بن العاص السهمي، وتميم، وسعيد ابنا الحارث بن قيس. وقال محمد بن سعد: قتل يومئذ طليب بن عمير، وأمه أروى هي عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي الحويرث قال: برز يوم أجنادين بطريق فبرز إليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، فقتله عبد الله، ثم برز بطريق آخر فقتله عبد الله بعد محاربة طويلة، فعزم عليه عمرو بن العاص أن لا يبارز، فقال: والله ما أجدني أصبر، فلما اختلطت السيوف وجد مقتولاً.) قال الواقدي: عاش ثلاثين سنة، ولا نعلمه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنه كان ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين. وقال ابن جرير: قتل يوم أجنادين: الحارث بن أوس بن عتيك،
8

(3/83)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 84
وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري. كذا قال ابن جرير.
2 (وقعة مرج الصفر)
قال خليفة: كانت لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى، والأمير خالد بن سعيد. قال ابن إسحاق: وعلى المشركين يومئذ قلقط، وقتل من المشركين مقتلة عظيمة وانهزموا. وروى خليفة، عن الوليد بن هشام، عن أبيه قال: استشهد يوم مرج الصفر خالد بن سعيد بن العاص، ويقال أخوه عمرو قتل أيضاً، والفضل بن العباس، وعكرمة بن أبي جهل، وأبان بن سعيد يومئذ بخلف.
8

(3/84)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 85
وقال غيره: قتل يومئذ نميلة بن عثمان الليثي، وسعد بن سلامة الأشهلي، وسالم بن أسلم الأشهلي. وقيل: أن وقعة مرج الصفر كانت في أول سنة أربع عشرة، والأول أصح. وقال سعيد بن عبد العزيز: التقوا على النهر عند الطاحونة، فقتلت الروم يومئذ حتى جرى النهر وطحنت طاحونتها بدمائهم فأنزل النصر. وقتلت يومئذ أم حكيم سبعة من الروم بعمود فسطاطها، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل، ثم تزوجها خالد بن سعيد بن العاص. قال محمد بن شعيب: فلم تقم معه إلا سبعة أيام عند قنطرة أم حكيم بالصفر، وهي بنت الحارث بن هشام المخزومي، ثم تزوجها فيما قيل عمرو.
2 (وقعة فحل)
قال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: كانت وقعة فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة. وعن عبد الله بن عمرو قال: شهدنا أجنادين ونحن يومئذ عشرون
8

(3/85)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 86
ألفاً، وعلينا عمرو بن العاص، فهزمهم الله، ففاءت فئة إلى فحل في خلافة عمر، فسار إليهم عمرو في الجيش فنفاهم عن فحل.
8

(3/86)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 87
2 (وفاة أبي بكر)

2 (رضي الله عنه)
وفيها توفي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق لثمان بقين من جمادى الآخرة، وعهد بالأمر بعده إلى عمر، وكتب له بذلك كتاباً. فأول ما فعل عمر عزل خالد بن الوليد عن أمراء الشام، وأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وكتب إليه بعهده، ثم بعث جيشاً من المدينة إلى العراق أمر عليهم أبا عبيد بن مسعود الثقفي والد المختار الكذاب، وكان أبو عبيدة من فضلاء الصحابة، فالتقى مع أهل العراق كما سيأتي.
8

(3/87)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 88
8

(3/88)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 89
2 (المتوفون في هذه السنة)
أبان بن سعيد بن العاص أبو الوليد بن أبي أحيحة، له صحبة، وكان يتجر إلى الشام، وتأخر إسلامه، وهو الذي أجار عثمان يوم صلح الحديبية حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فتلقاه أبان هذا وهو يقول:
(أقبل وأسهل ولا تخف أحداً .......... بنو سعيد أعزة البلد)
فلما قدم أخواه من هجرة الحبشة، خالد وعمرو، أرسلا إليه مكة يدعوانه إلى الإسلام فأجابهما، وقدم المدينة مسلماً، ثم خرج الإخوة الثلاثة
9

(3/89)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 90
من المدينة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر. وقد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم في آخر سنة تسع على البحرين، ثم استشهد يوم أجنادين على الأصح. أنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مولدي السراة. روى الواقدي بإسناده، عن ابن عباس أنه قتل يوم بدر وقال الواقدي: رأيت أهل العلم يثبتون أنه لم يقتل ببدر، وأنه قد شهد أحداً وبقي بعد ذلك زماناً. وحدثني ابن أبي الزناد عن محمد بن يوسف قال: مات أنسة في خلافة أبي بكر، وكان يكنى أبا مسرح. وعن الزهري أن أنسة كان يأذن للناس على النبي. الحارث بن أوس بن عتيك قتل بأجنادين. وقد أسلم قبل الهجرة. تميم بن الحارث بن قيس، وأخوه سعيد قتلا بأجنادين
9

(3/90)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 91
وهما من بني سهم، لهما صحبة، وللحارث الذي قبلهما، وهم من مهاجرة الحبشة.) خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، أبو سعيد الأموي، من السابقين الأولين. فعن أم خالد بنته قالت: كان أبي خامساً في الإسلام، وهاجر إلى أرض الحبشة وأقام بها بضع عشرة سنة. وولدت أنا بها. وروى إبراهيم بن عقبة عنها قالت: أبي أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم.
9

(3/91)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 92
وجاء أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمله على صنعاء، وأن أبا بكر أمره على بعض الجيش في فتوح الشام. فقال موسى بن عقبة: أخبرنا أشياخنا أنه قتل مشركاً ثم لبس سلبه ديباجاً أو حرداً، فنظر الناس إليه وهو مع عمرو فقال: ما تنظرون من شاء فليعمل مثل عمل خالد، ثم يلبس لباسه. ويروى أن الذي قتل خالداً أسلم وقال: من هذا الرجل فإني رأيت له نوراً ساطعاً إلى السماء. وقيل: كان خالد وسيماً جميلاً، قتل يوم أجنادين. سعد بن عبادة سيد الخزرج، توفي فيها في قول، ويشهد له ما قال أبو صالح السمان، وابن سيرين وغيرهما: إن سعداً قسم ماله وخرج إلى
9

(3/92)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 93
الشام فمات، وولد له بعد موته، فجاء أبو بكر وعمر إلى ابنه قيس فقالا: إن سعداً يرحمه الله توفي وإنا نرى أن تردوا على هذا الولد، فقال: ما أنا بمغير شيئاً صنعه سعد ولكن نصيبي له. سلمة بن هشام بن المغيرة أبو هاشم المخزومي أخو أبي جهل. كان قديم الإسلام، وهو الذي كان يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت، وكان قد رجع من الحبشة إلى مكة فحبسه أبو جهل وأجاعه ثم انسل فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الخندق. استشهد يوم أجنادين. السائب بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي. من مهاجرة الحبشة هو وإخوته. قتل يوم فحل. ضرار بن الأزور الأسدي، له صحبة. كان من أبطال الأعراب وفرسانهم.
9

(3/93)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 94
مر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحلب فقال: دع داعي اللبن. قاله الأعمش عن عبد الله بن سنان، عنه. وقيل: إنما اسمه مالك بن أوس، وكان على مسيرة خالد بن الوليد يوم بصرى، وشهد حروباً وفتوحاً كثيرة، ونزل الجزيرة ومات بها.) وأما موسى بن عقبة وعروة فذكرا أنه قتل بأجنادين. طليب بن عمير بن وهب بن كثير بن عبد بن قصي القرشي العبدي.
9

(3/94)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 95
وأمه أروى بنت عبد المطلب، من المهاجرين الأولين، يقال شهد بدراً. قال ابن إسحاق، والواقدي، والزبير. وقد هاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة. قال الزبير بن بكار: هو أول من دمى مشركاً فقيل: إن أبا جهل سب النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ طليب لحى جمل فشج أبا جهل به. استشهد يوم أجنادين وقد شاخ. وقد انقرض ولد عبد بن قصي بن كلاب، وآخر من بقي منهم لم يكن له من يرثه من بني عبد، فورثه عبد الصمد بن علي العباسي،
9

(3/95)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 96
وعبيد الله بن عروة بن الزبير بالقعدد إلى قصي، وهما سواء. عبد الله بن الزبير الهاشمي بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي. قتل يوم أجنادين، ووجدوا حوله عصبة من الروم قتلهم، ثم أثخنته الجراح فمات. وكان أحد الأبطال. فعن الواقدي قال: أول من قتل من الروم يوم أجنادين بطريق برز وهو معلم، فبرز إليه عبد الله بن الزبير فقتله، ولم يعرض لسلبه، ثم برز آخر فبرز إليه عبد الله فاقتتلا بالرمحين، ثم بالسيفين، فحمل عليه عبد الله بالسيف فضربه على عاتقه، وذكر الحديث. فلما فرغوا وجد عبد الله وحوله عشرة من الروم قتلى وهو مقتول بينهم. وعاش نحو ثلاثين سنة. عبد الله بن عمرو الدوسي استشهد بأجنادين. مجهول، وذكره
9

(3/96)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 97
ابن سعد. عثمان بن طلحة الحجبي وهم من قال: إنه قتل بأجنادين، بقي إلى بعد الأربعين. عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن، أمير مكة.
9

(3/97)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 98
أسلم يوم الفتح فاستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مكة. أرسل عنه سعيد بن المسيب حديثاً خرجوه في السنن. وأقره أبو بكر على مكة فتوفي بها فيما قيل يوم وفاة أبي بكر الصديق، ومات شاباً. عكرمة بن أبي جهل أبي الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو عثمان القرشي المخزومي.
9

(3/98)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 99
كان من رؤوس الجاهلية كأبيه، ثم استسلم وحسن إسلامه. قال ابن أبي مليكة: كان عكرمة إذا اجتهد في اليمين قال: لا والذي نجاني يوم بدر. أسلم بعد الفتح، وقدم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: مرحباً بالراكب المهاجر.) واستعمله الصديق على عمان حين ارتدوا، فقاتلهم، فأظفره الله بهم، ثم خرج إلى الشام مجاهداً، فكان أميراً على بعض الكراديس.
10

(3/99)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 100
أرسل عنه مصعب بن سعد حديثاً رواه الترمذي وهو: مرحباً بالراكب المهاجر فقلت: والله يا رسول الله لا أدع نفقة أنفقتها عليك إلا أنفقت مثلها في سبيل الله. والحديث ضعيف السند. ولم يعقب عكرمة. قال الشافعي: كان عكرمة محمود البلاء في الإسلام. قال عروة وغيره: استشهد بأجنادين. وقال ابن سعد وخليفة: بها، وقيل: باليرموك. وقال أبو إسحاق السبيعي: نزل عكرمة يوم اليرموك فقاتل قتالاً شديداً وقتل، فوجدوا به بضعاً وسبعين ما بين ضربة ورمية وطعنة. عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي. أخو أبان، وخالد أولاد أبي أحيحة.
10

(3/100)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 101
أسلم عمرو ولحق بأخيه بأخيه خالد بالحبشة، وقدم معه أيام خيبر، وشهد فتح مكة، واستشهد يوم أجنادين. الفضل بن العباس الأصح موته سنة ثماني عشرة. نعيم بن عبد الله النحام أحد بني كعب بن عدي القرشي. من المهاجرين. أسلم قبل عمر، ولم يتهيأ له هجرة إلى زمن الحديبية، وقيل: له رواية. استشهد يوم أجنادين، وقيل يوم اليرموك. ويروى أنه إنما سمي النحام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم.
10

(3/101)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 102
والنحمة: السلعة، وقيل النحنحة الممدود آخرها. وكان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم، فقالت قريش: أقم عندنا على أي دين شئت، فوالله لا يتعرض إليك أحد إلا ذهبت أنفسنا دونك. ويقال: لما هاجر إلى المدينة كان معه أربعون من أهل بيته. أرسل عنه نافع، ومحمد بن إبراهيم التميمي. هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد، أبو الأسود القرشي الأسدي، له صحبة ورواية. روى عنه عروة بن الزبير، وسليمان بن يسار مرسلاً إن كان استشهد بأجنادين وابناه عبد الملك،) وأبو عبد الله. قال ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح: إن هبار بن الأسود تناول زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعنة رمح فأسقطت، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فقال: إن وجدتموه فاجعلوه بين حزمتي حطب ثم أحرقوه، قم قال: سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله.
10

(3/102)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 103
ثم أسلم وهاجر، فقيل إنه كان يسب ولا يسب من سبه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من سبك سبه. هبار بن سفيان بن عبد الأسد الأزدي المخزومي. قديم الإسلام من مهاجرة الحبشة. استشهد يوم أجنادين على الأصح، ويقال يوم مؤتة قبل ذلك، وهو ابن أخي أبي سلمة. هشام بن العاص بن وائل أبو مطيع القرشي أخو عمرو، وكان هشام الأصغر. شهد
10

(3/103)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 104
لهما النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان فقال: ابنا العاص مؤمنان. وله عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث رواه عنه ابن أخيه عبد الله. وقد أرسله الصديق رسولاً إلى ملك الروم، وأسلم قبل عمرو، وهاجر إلى الحبشة، فلما بلغه هجرة النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة فحبسه أبوه، ثم هاجر بعد الخندق. وجاء أنه كان يتمنى الشهادة فرزقها يوم أجنادين على الصحيح، وقيل يوم اليرموك، وكان فارساً شجاعاً مذكوراً. ولم يعقب. حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ابنا العاص مؤمنان هشام وعمرو. جرير بن حازم، عن عبد اله بن عبيد بن عمير قال: قال عمرو ابن العاص: شهدت أنا وأخي هشام اليرموك فبات وبت ندعو الله يرزقنا الشهادة، فلما أصبحنا رزقها وحرمتها. وقيل إن هشام بن العاص كان يحمل فيهم فيقتل النفر منهم حتى قتل
10

(3/104)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 105
ووطئته الخيل. حتى جمع أخوه لحمه في نطع فواراه. وعن زيد بن أسلم قال: لما بلغ عمر قتله قال: رحمه الله فنعم العون كان للإسلام. أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. اسمه عبد الله ويقال عتيق بن أبي) قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي رضي الله عنه. روى عنه خلق من الصحابة وقدماء التابعين. من آخرهم أنس بن مالك، وطارق بن شهاب، وقيس بن أبي حازم، ومرة الطيب. قال ابن أبي مليكة وغيره: إنما كان عتيق لقباً له. وعن عائشة قالت: اسمه الذي سماه أهله به عبد الله ولكن غلب عليه عتيق. وقال ابن معين: لقبه عتيق لأن وجهه كان جميلاً، وكذا قال الليث بن سعد. وقال غيره: كان أعلم قريش بأنسابها.
10

(3/105)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 106
وقيل: كان أبيض نحيفاً خفيف العارضين، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، يخضب شيبه بالحناء والكتم. وكان أول من آمن من الرجال. وقال ابن الأعرابي: العرب تقول للشيء قد بلغ النهاية في الجودة: عتيق. وعن عائشة قالت: ما أسلم أبو أحد من المهاجرين إلا أبو بكر. وعن الزهري قال: كان أبو بكر أبيض أصفر لطيفاً جعداً مسترق الوركين، لا يثبت إزاره على وركيه. وجاء أنه اتجر إلى بصرى غير مرة، وأنه أنفق أمواله على النبي صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر.
10

(3/106)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 107
وقال عروة بن الزبير: أسلم أبو بكر يوم أسلم وله أربعون ألف دينار. وقال عمرو بن العاص: يا رسول الله أي الرجال أحب إليك قال أبو بكر. وقال أبو سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمن ولا يحبهما منافق. وقال الشعبي، عن الحارث، عن علي: إن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أبي بكر وعمر فقال: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي. وروي نحوه من وجوه مقاربة عن زر ابن حبيش، وعن عاصم بن ضمرة، وهرم، عن) علي. وقال طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس مثله. وقال محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس مثله.
10

(3/107)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 108
أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، ثم رواه من حديث الوقري، عن الزهري، ولم يصح. وقال ابن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. روى مثله ابن عباس فزاد: ولكن أخي وصاحبي في الله، سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر. هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن عمر أنه قال: أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. صححه الترمذي. وصح من حديث الجريري، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: أبو بكر، قلت: ثم من قال: عمر، قلت: ثم من قالت: أبو عبيدة، قلت: ثم من فسكتت.
10

(3/108)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 109
مالك في الموطأ عن أبي النصر، عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال: إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده، فقال أبو بكر: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا، فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به. وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر. متفق على صحته. وقال أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أبي المعلى، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه، والأول أصح. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما) خلا أبا بكر، فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني
11

(3/109)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 110
مال قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً إلا وإن صاحبكم خليل الله. قال الترمذي: حديث حسن غريب. وكذا قال في حديث كثير النواء، عن جميع بن عمير، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار. وروي عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لقوم فيهم أبي بكر أن يؤمهم غيره. تفرد به عيسى بن ميمون، عن القاسم، وهو متروك الحديث. قال محمد بن جبير بن مطعم: أخبرني أبي أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته في شيء، فأمرها بأمر، فقالت: أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر. متفق على صحته.
11

(3/110)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 111
وقال أبو بكر الهذلي، عن الحسن، عن علي قال: لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس، وإني لشاهد وما بي مرض، فرضينا لدنيانا من رضي به النبي صلى الله عليه وسلم لديننا. وقال صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. هذا حديث صحيح. وقال نافع بن عمر: ثنا ابن أبي مليكة، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: ادعوا لي أبا بكر وابنه فليكتب لكيلا يطمع في أمر أبي بكر طامع ولا يتمنى متمن، ثم قال: يأبى الله ذلك والمسلمون. تابعه غير واحد، منهم عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، ولفظه:: معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر. وقال زائدة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر فأم الناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر.
11

(3/111)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 112
وأخرج البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني قال: سمعت أبا الدرداء يقول: كان بين أبي) بكر وعمر محاورة فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضباً فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو الدرداء: ونحن عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما صاحبكم هذا فقد غامر، قال: وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أنتم تاركون لي صاحبي إني قلت أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت. وأخرج أبو داود من حديث عبد السلام بن حرب، عن أبي خالد الدالاني، حدثني أبو خالد مولى جعدة، عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني الباب الذي تدخل منه أمتي الجنة، فقال أبو بكر: وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، قال: أما إنك أول من يدخل الجنة من أمتي. أبو خالد مولى جعدة لا يعرف إلا بهذا الحديث. وقال إسماعيل بن سميع، عن مسلم البطين، عن أبي البختري قال: قال عمر لأبي عبيدة: أبسط يدك حتى أبايعك، فإني سمعت رسول
11

(3/112)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 113
الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنت أمين هذه الأمة، فقال: ما كنت لأتقدم بين يدي رجل أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنا، فأمنا حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو بكر بن عياش: أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن لأن في القرآن في المهاجرين أؤلئك هم الصادقون فمن سماه صادقاً لم يكذب هم سموه وقالوا: يا خليفة رسول الله وقال إبراهيم بن طهمان عن خالد الحذاء عن حميد بن هلال قال: لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أبراد، فقال عمر: ما هذا قال يعني لي عيال، قال: انطلق يفرض لك أبو عبيدة، فانطلقنا إلى أبي عبيدة فقال: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين وكسوته، ولك ظهرك إلى البيت. وقالت عائشة: لما استخلف أبو بكر ألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت المال وقال: د كنت أتجر فيه وألتمس به، فلما وليتهم شغلوني.) وقال عطاء بن السائب: لما استخلف أبو بكر وعلى رقبته أثواب
11

(3/113)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 114
يتجر فيها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فكلماه فقال: فمن أين أطعم عيالي قالا: انطلق حتى نفرض لك، قال: ففرضوا له كل يوم شطر من شاة، وما كسوه في الرأس والبطن، وقال عمر: إلي القضاء، وقال أبو عبيدة: إلي الفيء، فقال عمر: لقد كان يأتي علي الشهر ما يختصم إلي فيه اثنان. وعن ميمون بن مهران قال: جعلوا له ألفين وخمسمائة. وقال محمد بن سيرين: كان أبو بكر أعبر هذه الأمة لرؤيا بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الزبير بن بكار عن بعض أشياخه قال: خطباء الصحابة: أبو بكر، وعلي. وقال عنبسة بن عبد الواحد: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها كانت تدعو على من زعم أن أبا بكر قال هذه الأبيات، وقالت: والله ما قال أبو بكر شعراً في جاهلية ولا في إسلام، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية. وقال كثير النواء، عن أبي جعفر الباقر: إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي: ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً الآية. وقال حصين، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر صعد المنبر ثم قال: ألا إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، فمن قال غير ذلك بعد مقامي هذا فهو مفتر، عليه ما على المفتري. وقال أبو معاوية وجماعة: ثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن
11

(3/114)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 115
عمر قال: كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا ذهب أبو بكر، وعمر، وعثمان استوى الناس، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكره. وقال علي: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وعمر. هذا والله العظيم قاله علي وهو متواتر عنه، لأنه قاله على منبر الكوفة، فقاتل الله الرافضة ما أجهلهم. وقال السدي، عن عبد خير، عن علي قال: أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، كان أول من جمع القرآن بين اللوحين. إسناده حسن. وقال عقيل، عن الزهري إن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيزة أهديت لأبي بكر، فقال الحارث: ارفع يدك يا خليفة رسول الله، والله إن فيها لسم سنة، وأنا وأنت نموت في يوم واحد، قال: فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة. وعن عائشة قالت: أول ما بدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل، وكان يوماً بارداً فحم خمسة عشر) يوماً لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة، وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه. وتوفي مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة. وكانت خلافته سنتين ومائة يوم. وقال أبو معشر: سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال، عن ثلاث وستين سنة.
11

(3/115)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 116
وقال الواقدي: أخبرني ابن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهيل، عن أبي سلمة قال: وأخبرنا بردان بن أبي النضر، عن محمد بن إبراهيم التيمي، وأنا وعمرو بن عبد الله. عن أبي النضر، عن عبد الله البهي، دخل حديث بعضهم في بعض، أن أبا بكر لما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر، فقال: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، قال: وإن، فقال: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان فسأله عن عمر، فقال: علمي فيه أن سريرته خير من علانيته وأنه ليس فينا مثله، فقال: يرحمك الله والله لو تركته ما عدوتك، وشاور معهما سعيد بن زيد، وأسيد بن الحضير وغيرهما، فقال قائل: ما تقول لربك إذا سألك عن استخلاف عمر وقد ترى غلظته فقال: أجلسوني، أبالله تخوفوني أقول: استخلفت عليهم خير أهلك. ثم دعا عثمان فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاستمعوا له وأطيعوه، وإني لم
11

(3/116)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 117
آل الله ورسوله وديته ونفسي وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وقال بعضهم في الحديث: لما أن كتب عثمان الكتاب أغمي على أبي بكر، فكتب عثمان من عنده اسم عمر، فلما أفاق أبو بكر قال: اقرأ ما كتبت، فقرأ، فلما ذكر عمر كبر أبو بكر وقال: أراك خفت إن افتلتت نفسي الاختلاف، فجزاك الله عن الإسلام خيراً، والله إن كنت لها أهلاً. وقال علوان بن داود البجلي، عن حميد بن عبد الرحمن، عن صالح ابن كيسان، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، وقد رواه الليث ابن سعد، عن علوان، عن صالح نفسه قال: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه فسلمت عليه وسألته كيف أصبحت فقال: بحمد الله) بارئاً، أما إني على ما ترى وجع، وجعلتم لي شغلاً مع وجعي، جعلت لكم عهداً بعدي، واخترت لكم خيركم في نفسي فكلكم ورم لذلك أنفه رجاء أن يكون الأمر له. ثم قال: أما إني لا آسى على شيء إلا على ثلاث فعلتهن، وثلاث لم أفعلهن، وثلاث وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن: وددت أني لم
11

(3/117)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 118
أكن كشفت بيت فاطمة وأن أغلق علي الحرب، وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق عمر أو أبي عبيدة، وددت أني كنت وجهت خالد بن الوليد إلى أهل الردة وأقمت بذي القصة، فإن ظفر المسلمون وإلا كنت لهم مدداً ورداءً، ووددت أني يوم أتيت بالأشعث أسيراً ضربت عنقه، فإنه خيل إلي أنه لا يكون شر إلا طار إليه، وودت أني يوم أتيت بالفجاءة السلمي لم أكن حرقته وقتلته أو أطلقته نجيحاً، ووددت أني حيث وجهت خالد بن الوليد إلى الشام وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فأكون قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله. ووددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في من هذا الأمر ولا ينازعه أهله، وأني سألته هل للأنصار في هذا الأمر شيء وأني سألته عن العمة وبنت الأخ، فإن في نفسي منها حاجة، رواه هكذا وأطول من هذا ابن وهب، عن الليث بن سعد، عن صالح بن كيسان، أخرجه كذلك ابن عائذ. وقال محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص، عن أبيه، عن جده، أن عائشة قالت: حضرت أبي وهو يموت فأخذته غشية فتمثلت:
(من لا يزال دمعه مقنعاً .......... فإنه لا بد مرة مدفوق)
فرفع رأسه وقال: يا بنية ليس كذلك، ولكن كما قال الله تعالى:
11

(3/118)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 119
وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد. وقال موسى الجهني عن أبي بكر بن حفص بن عمر: إن عائشة تمثلت لما احتضر أبو بكر:
(لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى .......... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر)
فقال: ليس كذلك ولكن وجاءت سكرة الموت بالحق، إني نحلتك حائطاً وإن نفسي منه شيئاً فرديه على الميراث، قالت: نعم، قال: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين شيء إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضج وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر، ففعلت.) وقال القاسم، عن عائشة: إن أبا بكر حين حضره الموت قال: إني لا أعلم عند آل أبي بكر غير اللقحة وغير هذا الغلام الصقيل، كان يعمل سيوف المسلمين ويخدمنا، فإذا مت فادفعيه إلى عمر، فلما دفعته إلى عمر قال عمر: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده. وقال الزهري: أوصى أبو بكر أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، فإن
12

(3/119)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 120
لم تستطع استعانت بابنه عبد الرحمن. وقال عبد الواحد بن أيمن وغيره، عن أبي جعفر الباقر قال: دخل علي على أبي بكر بعد ما سجي فقال: ما أحد ألقى الله بصحيفته أحب إلي من هذا المسجي. وقال القاسم: أوصى أبو بكر أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحفر له، وجعل رأسه عند كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: رأس أبي بكر عند كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأس عمر عند حقوي أبي بكر. وقالت عائشة: مات ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح. وعن مجاهد قال: كلم أبو قحافة في ميراثه من ابنه فقال: قد رددت ذلك على ولده، ثم لم يعش بعده إلا ستة أشهر وأياماً. وجاء أنه ورثه أبوه وزوجتاه أسماء بنت عميس، وحبيبة بنت خارجة والدة أم كلثوم، وعبد الرحمن، ومحمد، وعائشة، وأسماء، وأم كلثوم. ويقال: إن اليهود سمته في أرزه فمات بعد سنة، وله ثلاث وستون سنة.
12

(3/120)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 121
2 (ذكر عمال أبي بكر)
قال موسى بن أنس بن مالك: إن أبا بكر استعمل أباه أنساً على البحرين. وقال خليفة: وجه أبو بكر زياد بن لبيد على اليمن أو المهاجر بن أبي أمية، واستعمل الآخر على كذا، وأقر على الطائف عثمان بن أبي العاص. ولما حج استخلف على المدينة قتادة بن النعمان. وكان كاتبه عثمان بن عفان، وحاجبه سديد مولاه، ويقال كتب له زيد بن ثابت، وكان وزيره عمر بن الخطاب وكان أيضاً على قضائه، وكان مؤذنه سعد القرظ مولى عمار بن ياسر. أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، اسمه سليم من مولدي أرض دوس.
12

(3/121)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 122
شهد بدراً) والمشاهد كلها، ولما هاجر إلى المدينة نزل على سعد بن خيثمة فيما قيل، وتوفي يوم الثلاثاء صبيحة وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
12

(3/122)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 123
(أحداث سنة أربع عشرة)

2 (خلافة عمر رضي الله عنه)
فتحت دمشق، فتح حمص، وبعلبك، فتحت البصرة، والأبلة، ووقعة جسر أبي عبيد بأرض نجران، ووقعة فحل بالشام، في قول ابن الكلبي. فأما دمشق فقال الوليد بن هشام، عن أبيه، عن جده قال: كان خالد على الناس فصالح أهل دمشق، فلم يفرغ من الصلح حتى عزل وولي أبو عبيدة، فأمضى صلح خالد ولم يغير الكتاب. وهذا غلط لأن عمر عزل خالداً حين ولي. قال خليفة بن خياط. وقال: ثنا عبد الله بن المغيرة، عن أبيه قال: صالحهم أبو عبيدة على أنصاف كنائسهم ومنازلهم وعلى رؤوسهم، وأن لا يمنعوا من أعيادهم. وقال ابن الكلبي: كان الصلح يوم الأحد للنصف من رجب سنة أربع عشرة. وقال ابن إسحاق: صالحهم أبو عبيدة في رجب.
12

(3/123)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 124
وقال ابن جرير: سار أبو عبيدة إلى دمشق، وخالد على مقدمة الناس، وقد اجتمعت الروم على رجل يقال له باهان بدمشق، وكان عمر عزل خالداً واستعمل أبا عبيدة على الجميع، والتقى المسلمون والروم فيما حول دمشق، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم هزم الله الروم، ودخلوا دمشق وغلقوا أبوابها، ونازلها المسلمون حتى فتحت، وأعطوا الجزية، وكان قدم الكتاب على أبي عبيدة بإمارته وعزل خالد، فاستحيا أبو عبيدة أن يقرئ خالداً الكتاب حتى فتحت دمشق وجرى الصلح على يدي خالد، وكتب الكتاب باسمه، فلما صالحت دمشق لحق باهان صاحب الروم بهرقل. وقيل: كان حصار دمشق أربعة أشهر. وقال محمد بن إسحاق: إن عمر كان واجداً على خالد بن الوليد لقتله ابن نويرة، فكتب إلى أبي عبيدة أن أنزع عمامته وقاسمه ماله، فلما أخبره قال: ما أنا بالذي أعصي أمير المؤمنين، فاصنع ما بدا لك، فقاسمه حتى أخذ نعله الواحدة. وقال ابن جرير: كان أول محصور بالشام أهل فحل ثم أهل دمشق، وبعث أبو عبيدة ذا الكلاع) حتى كان بين دمشق وحمص ردءاً، وحصروا دمشق، فكان أبو عبيدة على ناحية، ويزيد بن أبي سفيان على ناحية، وعمرو بن العاص على ناحية، وهرقل يومئذ على حمص،
12

(3/124)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 125
فحاصروا أهل دمشق نحواً من سبعين ليلةً حصاراً شديداً بالمجانيق، وجاءت جنود هرقل نجدة لدمشق، فشغلتها الجنود التي مع ذي الكلاع، فلما أيقن أهل دمشق أن الأمداد لا تصل إليهم فشلوا ووهنوا. وكان صاحب دمشق قد جاءه مولود فصنع طعاماً واشتغل يومئذ، وخالد بن الوليد الذي لا ينام ولا ينيم قد هيأ حبالاً كهيئة السلالم، فلما أمسى هيأ أصحابه وتقدم هو والقعقاع بن عمرو، ومذعور بن عدي وأمثالهم وقالوا: إذا سمعتم تكبيرنا على السور فارقوا إلينا وانهدوا الباب. قال: فلما انتهى خالد ورفقاؤه إلى الخندق رموا بالحبال إلى الشرف، وعلى ظهورهم القرب التي سبحوا بها في الخندق، وتسلق القعقاع ومذعور فلم يدعا أحبولة حتى أثبتاها في الشرف، وكان ذلك المكان أحصن مكان بدمشق، فاستوى على السور خلق من أصحابه ثم كبروا، وانحدر خالد إلى الباب فقتل البوابين، وثار أهل البلد إلى مواقفهم لا يدرون ما الشأن، فتشاغل أهل كل جهة بما يليهم، وفتح خالد الباب ودخل أصحابه عنوة، وقد كان المسلمون دعوهم إلى الصلح والمشاطرة فأبوا، فلما رأوا البلاء بذلوا الصلح، فأجابهم من يليهم، وقبلوا فقالوا: ادخلوا وامنعونا من أهل ذاك الباب، فدخل أهل كل باب بصلح مما يليهم، فالتقى خالد والأمراء في وسط البلد، هذا استعراضاً ونهباً، وهؤلاء صلحاً، فأجروا ناحية خالد على الصلح بالمقاسمة. وكتب إلى عمر بالفتح.
12

(3/125)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 126
وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يجهز جيشاً إلى العراق نجدة لسعد بن أبي وقاص، فجهز له عشرة آلاف عليهم هاشم بن عتبة، وبقي بدمشق يزيد بن أبي سفيان في طائفة من أمداد اليمن، فبعث يزيد دحية بن خليفة الكلبي في خيل إلى تدمر، وأبا الأزهر إلى البثنية وحوران فصالحهم، وسار طائفة إلى بيسان فصالحوا. وفيها كان سعد بن أبي وقاص فيما ورد إلينا على صدقات هوازن، فكتب إليه عمر بانتخاب ذي الرأي والنجدة ممن له سلاح أو فرس، فجاءه كتاب سعد: إني قد انتخبت لك ألف فارس، ثم قدم به عليه فأمره على حرب العراق، وجهزه في أربعة آلاف مقاتل، فأبى عليه بعضهم إلا المسير إلى الشام، فجهزهم عمر إلى الشام.) ثم إن عمر أمد سعداً بعد مسيره بألفي نجدي وألفي يماني، فشتا سعد بزرود، وكان المثنى بن حارثة على المسلمين بما فتح الله من العراق، فمات من جراحته التي جرحها يوم جسر أبي عبيد، فاستخلف المثنى على الناس بشير بن الخصاصية، وسعد يومئذ بزرود، ومع بشير وفود أهل العراق. ثم سار سعد إلى العراق، وقدم عليه الأشعث بن قيس في ألف وسبعمائة من اليمانيين.
2 (وقعة الجسر)
كان عمر قد بعث في سنة ثلاث عشرة جيشاً، عليهم أبو عبيد الثقفي،
12

(3/126)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 127
فلقي جابان في سنة ثلاث عشرة وقيل سنة أربع عشرة بين الحيرة والقادسية. فهزم الله المجوس، وأسر جابان، وقتل مردانشاه، ثم إن جابان فدى نفسه بغلامين وهو لا يعرف أنه المقدم، ثم سار أبو عبيد إلى كسكر فالتقى هو ونرسي فهزمه، ثم لقي جالينوس فهزمه. ثم إن كسرى بعث ذا الحاجب، وعقد له على اثني عشر ألفاً، ودفع إليه سلاحاً عظيماً، والفيل الأبيض، فبلغ أبا عبيد مسيرهم، فعبر الفرات إليهم وقطع الجسر، فنزل ذو الحاجب قس الناطف، وبينه وبين أبي عبيد الفرات، فأرسل إلى أبي عبيد: إما أن تعبر إلينا وإما أن نعبر إليك. فقال أبو عبيد: نعبر إليكم، فعقد له ابن صلوبا الجسر، وعبر فالتقوا في مضيق في شوال. وقدم ذو الحاجب جالينوس معه الفيل. فاقتتلوا أشد قتال وضرب أبو عبيد مشفر الفيل، وضرب أبو محجن عرقوبه. ويقال إن أبا عبيد لما رأى الفيل قال:
(يا لك من ذي أربع ما أكبرك .......... لأضربن بالحسام مشفرك)
وقال: إن قتلت فعليكم ابني جبر. فإن قتل فعليكم حبيب بن ربيعة أخو أبي محجن، فإن قتل فعليكم أخي عبد الله. فقتل جميع الأمراء، واستحر القتل في المسلمين فطلبوا الجسر. وأخذ الراية المثنى بن حارثة فحماهم في جماعة ثبتوا معه. وسبقهم إلى الجسر عبد الله بن يزيد فقطعه، وقال: قاتلوا عن دينكم، فاقتحم الناس الفرات، فغرق ناس كثير، ثم عقد المثنى الجسر وعبره الناس.
12

(3/127)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 128
واستشهد يومئذ فيما قال خليفة ألف وثمانمائة، وقال سيف: أربعة آلاف ما بين قتيل وغريق. وعن الشعبي قال: قتل أبو عبيد في ثمانمائة من المسلمين.) وقال غيره: بقي المثنى بن حارثة الشيباني على الناس وهو جريح إلى أن توفي، واستخلف على الناس ابن الخصاصية كما ذكرنا.
2 (فتح حمص)
وقال أبو مسهر: حدثني عبد الله بن سالم قال: سار أبو عبيدة إلى حمص في اثني عشر ألفاً، منهم من السكون ستة آلاف فافتتحها. وعن عثمان الصنعاني قال: لما فتحنا دمشق خرجنا مع أبي الدرداء في مسلحة برزة، ثم تقدمنا مع أبي عبيدة ففتح الله بنا حمص. وورد أن حمص وبعلبك فتحتا صلحاً في أواخر سنة أربع عشرة، وهرب هرقل عظيم الروم من أنطاكية إلى قسطنطينية. وقيل إن حمص فتحت سنة خمس عشرة.
12

(3/128)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 129
وقال علي المدائني عن أشياخه: بعث عمر في سنة أربع عشرة شريح بن عامر أحد بني سعد بن بكر إلى البصرة، وكان رداءاً للمسلمين، فسار إلى الأهواز فقتل بدارس، فبعث عمر عتبة بن غزوان المازني في السنة، فمكث أشهراً لا يغزو. وقال خالد بن عمير العدوي: غزونا مع عتبة الأبلة فافتتحناها ثم عبرنا إلى الفرات، ثم مر عتبة بموضع المربد، فوجد الكذان الغليظ فقال: هذه البصرة انزلوها باسم الله. وقال الحسن: افتتح عتبة الأبلة فقتل من المسلمين سبعون رجلاً في موضع مسجد الأبلة، ثم عبر إلى الفرات فأخذها عنوة. وقال شعبة، عن عقيل بن طلحة، عن قبيصة قال: كنا مع عتبة بالخريبة. وفيها أمر عتبة بن غزوان محجن بن الأدرع فخط مسجد البصرة الأعظم وبناه بالقصب، ثم خرج عتبة حاجاً وخلف مجاشع بن مسعود وأمره بالغزو، وأمر المغيرة بن شعبة أن يصلي بالناس حتى يقدم مجاشع، فمات عتبة في الطريق. وأمر عمر المغيرة على البصرة.
13

(3/129)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 130
وفيها ولد عبد الرحمن بن أبي بكرة، وهو أول من ولد بالبصرة، وبعث جرير بن عبد الله على السواد، فلقي جرير مهران، فقتل مهران، ثم بعث عمر سعداً فأمر جريراً أن يطيعه.
13

(3/130)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 131
2 (المتوفون في هذه السنة)
وفيها استشهد جماعة عظيمة، ومات طائفة. أوس بن أوس بن عتيك استشهد يوم جسر أبي عبيد، على يومين من الكوفة بينها وبين نجران. بشير بن عنبس بن يزيد الظفري شهد أحداً، وهو ابن عم قتادة بن النعمان، وكان يعرف بفارس الحواء وهو اسم فرسه، قتل يومئذ. ثابت بن عتيك من بني عمرو بن مبذول. أنصاري له صحبة، قتل يومئذ. ثعلبة بن عمرو بن محصن، قتل يوم الجسر، وهو أحد بني مالك بن النجار، وكان بدرياً. الحارث بن عتيك بن النعام أبو أخزم، قتل يومئذ، وهو من بني النجار، شهد أحداً، وهو أخو سهل الذي شهد بدراً. الحارث بن مسعود بن عبدة. الحارث بن عدي بن مالك، قتل يومئذ وقد شهد أحداً، وكلاهما من الأنصار.
13

(3/131)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 132
خالد بن سعيد بن العاص الأموي، قيل استشهد يوم مرج الصفر، وأن يوم مرج الصفر كان في المحرم سنة أربع عشرة وقد ذكر. خزيمة بن أوس بن خزيمة الأشهلي يوم الجسر. ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ورخه ابن قانع. زيد بن سراقة يوم الجسر. سعد بن سلامة بن وقش الأشهلي. سعد بن عبادة الأنصاري، يقال مات فيها. سلمة بن أسلم بن حريش، يوم الجسر. سلمة بن هشام، يوم مرج الصفر، وقد تقدم. سليط بن قيس بن عمرو الأنصاري، يوم الجسر. ضمرة بن غزية، يوم الجسر. عبد الله، وعبد الرحمن، وعباد بنو مربع بن قيظي بن عمرو، قتلوا يومئذ. عتبة بن غزاون بن جابر بن وهب بن غزوان المازني حليف بني عبد شمس، من السابقين) الأولين.
13

(3/132)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 133
أسلم سابع سبعة في الإسلام. وهاجر إلى الحبشة وشهد بدراً وغيرها، وكان من الرماة المذكورين، وقيل: هو حليف لبني نوفل بن عبد مناف، أمره عمر على جيش ليقاتل من الأبلة من فارس فسار وافتتح الأبلة. وكان طويلاً جميلاً. خطب بالبصرة فقال: إن الدنيا قد ولت حذاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وقال في خطبة: لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا.
13

(3/133)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 134
روى عنه خالد بن عمير، وقبيصة، والحسن البصري، وهارون بن رئاب، ولم يدركاه. وغنيم بن قيس المازني. وهو الذي اختط البصرة، وقيل: كنيته أبو عبد الله، عاش سبعاً وخمسين سنة وقيل: توفي سنة خمس عشرة ما بين الحجاز والبصرة، وقيل: توفي سنة سبع عشرة. عقبة، وعبد الله ابنا قيظي بن قيس، حضرا مع أبيهما يوم جسر أبي عبيد وقتلا يومئذ. العلاء بن الحضرمي، يقال فيها، وسيأتي. عمر بن أبي اليسر، يوم الجسر. قيس بن السكن بن قيس بن زعوراء بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار أبو زيد الأنصاري النجاري، مشهور بكنيته.
13

(3/134)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 135
شهد بدراً، واستشهد يوم جسر أبي عبيد فيما ذكر موسى بن عقبة. قال الواقدي وابن الكلبي: هو أحد من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودليله قول أنس لأنه قال: أحد عمومتي، وكلاهما يجتمعان في حرام. وكذا ساق ابن الكلبي نسب أبي زيد، ولكنه جعل عوض زعوراء زيداً، ولا عبرة بقول من قال: إن الذي جمع القرآن أبو زيد سعد بن عبيد الأوسي فإن قول أنس بن مالك أحد عمومتي ينفي قول من قال: هو سعد بن عبيد، لكونه أوسياً، ويؤيده أيضاً ما روى قتادة عن أنس قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا الذي حمته الدبر: عاصم بن ثابت، ومنا الذي اهتز
13

(3/135)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 136
لموته العرش سعد بن معاذ، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين: خزيمة بن ثابت، فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن على) عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبي، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. المثنى بن حارثة الشيباني الذي أخذ الراية وتحيز بالمسلمين يوم الجسر. نافع بن غيلان، يومئذ. نوفل بن الحارث، يقال توفي فيها، وكان أسن من عمه العباس. واقد بن عبد الله، يوم.؟
13

(3/136)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 137
هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس أم معاوية بن أبي سفيان، توفيت في أول العام. يزيد بن قيس بن الخطيم بفتح الخاء المعجمة الأنصاري الظفري، صحابي شهد أحداً والمشاهد وجرح يوم أحد عدة جراحات، وأبوه من الشعراء الكبار، قتل زيد يوم الجسر. أبو عبيد بن مسعود بن عمرو الثقفي والد المختار وصفية زوجة ابن عمر. أسلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعمله عمر وسيره على جيش كثيف إلى العراق، وإليه ينسب جسر أبي عبيد، وكانت الوقعة عند هذا الجسر كما ذكرنا، وقتل يومئذ أبو عبيد، والجسر بين القادسية والحيرة ولم يذكره أحد في الصحابة إلا ابن عبد البر، ولا يبعد أن له رؤية وإسلام. أبو قحافة عثمان بن عامر التيمي، في المحرم عن بضع وتسعين سنة، وقد أسلم يوم الفتح فأتى به ابنه أبو بكر الصديق يقوده لكبره وضرره
13

(3/137)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 138
ورأسه كالثغامة فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلا تركت الشيخ حتى نأتيه، إكراماً لأبي بكر، وقال: غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد. عبد الله بن صعصعة بن وهب الأنصاري، أحد بني عدي بن النجار، شهد أحداً وما بعدها وقتل يوم جسر أبي عبيد. قاله ابن الأثير.
13

(3/138)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 139
(أحداث سنة خمس عشرة)
في أولها افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة إلا طبرية فإنهم صالحوه، وذلك بأمر أبي عبيد.
2 (يوم اليرموك)
كانت وقعة مشهورة، نزلت الروم اليرموك في رجب سنة خمس عشرة، وقيل سنة ثلاث عشرة وأراه وهماً فكانوا في أكثر من مائة ألف، وكان المسلمون ثلاثين ألفاً، وأمراء الإسلام أبو عبيدة، ومعه أمراء الأجناد، وكانت الروم قد سلسلوا أنفسهم الخمسة والستة في السلسلة لئلا يفروا، فلما هزمهم الله جعل الواحد يقع في نهر اليرموك فيجذب من معه
14

(3/139)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 140
في السلسلة حتى ردموا في الوادي، واستووا فيما قيل بحافتيه، فداستهم الخيل، وهلك خلق لا يحصون. واستشهد يومئذ جماعة من أمراء المسلمين. وقال محمد بن إسحاق: نزلت الروم اليرموك وهم مائة ألف، عليهم السقلاب خصي لهرقل. وقال ابن الكلبي: كانت الروم ثلاثمائة ألف، عليهم باهان، رجل من أبناء فارس تنصر ولحق الروم، قال: وضم أبو عبيدة إليه أطرافه، وأمده عمر بسعيد بن عامر بن حذيم، فهزم الله المشركين بعد قتال شديد في خامس رجب سنة خمس عشرة. وقال سعيد بن عبد العزيز: إن المسلمين يعني يوم اليرموك كانوا أربعة وعشرين ألفاً، وعليهم أبو عبيدة، والروم عشرون ومائة ألف، عليهم باهان وسقلاب. إبراهيم بن سعد، عن أبيه عن ابن المسيب، عن أبيه قال: خمدت الأصوات يوم اليرموك، والمسلمون يقاتلون الروم إلا صوت رجل يقول: يا نصر الله اقترب، يا نصر الله اقترب، فرفعت رأسي فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان. الواقدي: نا عبد الحميد بن حعفر، عن أبيه، عن ابن المسيب، عن
14

(3/140)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 141
جبير بن الحويرث: حضرت اليرموك فلا أسمع إلا نقف الحديد إلا أني سمعت صائحاً يقول: يا معشر المسلمين يوم من أيام الله أبلوا لله فيه بلاءً حسناً، فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه. قال سويد بن عبد العزيز، عن حصين، عن الشعبي، عن سويد بن غفلة قال: لما هزمنا العدو يوم اليرموك أصبنا يلامق ديباج فلبسناها فقدمنا على عمر ونحن نرى أنه يعجبه ذلك، فاستقبلناه وسلمنا عليه، فشتمنا ورجمنا بالحجارة حتى سبقناه نعدو، فقال بعضنا: لقد بلغه عنكم) شر، وقال بعض القوم: لعله في زيكم هذا، فضعوه، فوضعنا تلك الثياب وسلمنا عليه، فرحب وساءلنا وقال: إنكم جئتم في زي أهل الكفر، وإنكم الآن في زي أهل الإيمان، وإنه لا يصلح من الديباج والحرير إلا هكذا، وأشار بأربع أصابعه. وعن مالك بن عبد الله قال: ما رأيت أشرف من رجل رأيته يوم اليرموك إنه خرج إليه علج فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، ثم انهزموا وتبعهم وتبعته، ثم انصرف إلى خباء عظيم له فنزل، فدعا بالجفان ودعا من حوله، قلت: من هذا قالوا: عمرو بن معدي كرب.
14

(3/141)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 142
وعن عروة: قتل يومئذ النضر بن الحارث بن علقمة العبدري، وعبد الله بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي. وقال ابن سعد: قتل يومئذ نعيم بن عبد الله النحام العدوي. قلت: وقد ذكر. وقيل: كان على مجنبة أبي عبيدة يومئذ قباث بن أشيم الكناني الليثي. ويقال: قتل يومئذ عكرمة بن أبي جهل، وعبد الرحمن بن العوام، وعياش بن أبي ربيعة، وعامر بن أبي وقاص الزهري.
2 (وقعة القادسية)
كانت وقعة القادسية بالعراق في آخر السنة فيما بلغنا، وكان على الناس سعد بن أبي وقاص، وغلى المشركين رستم ومعه الجالينوس، وذو الحاجب. قال أبو وائل: كان المسلمون ما بين السبعة إلى الثمانية آلافاً. ورستم في ستين ألفاً، وقيل: كانوا أربعين ألفاً، وكان معهم سبعون فيلاً.
14

(3/142)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 143
وذكر المدائني أنهم اقتتلوا قتالاً شديداً ثلاثة أيام في آخر شوال، وقيل في رمضان، فقتل رستم وانهزموا، وقيل إن رستم مات عطشاً، وتبعهم المسلمون فقتل جالينوس وذو الحاجب، وقتلوهم ما بين الخرارة إلى السيلحين إلى النجف، حتى ألجأوهم إلى المدائن، فحصروهم بها حتى أكلوا الكلاب، ثم خرجوا على حامية بعيالهم فساروا حتى نزلوا جلولاء. قال أبو وائل: اتبعناهم إلى الفرات فهزمهم الله، واتبعناهم إلى الصراة فهزمهم الله، فألجأناهم إلى المدائن. وعن أبي وائل قال: رأيتني أعبر الخندق مشياً على الرجال، قتل بعضهم بعضاً. وعن حبيب بن صهبان قال: أصبنا يومئذ من آنية الذهب حتى جعل الرجل يقول: صفراء ببيضاء، يعني ذهباً بفضة. وقال المدائني: ثم سار سعد من القادسية يتبعهم. فأتاه أهل الحيرة فقالوا: نحن على عهدنا. وأتاه بسطام فصالحه. وقطع سعد الفرات، فلقي جمعاً عليهم بصبهرا فقتله زهرة بن حوية، ثم لقوا جمعاً بكوثا عليهم
14

(3/143)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 144
الفيرزان فهزموهم، ثم لقوا جمعاً كثيراً بدير كعب عليهم الفرخان فهزموهم، ثم سار سعد بالناس حتى نزلوا المدائن فافتتحها. وأما محمد بن جرير فإنه ذكر القادسية في سنة أربع عشرة، وذكر أن في سنة خمس عشرة مصر سعد الكوفة وإن فيها فرض عمر الفروض ودون الدواوين، وأعطى العطاء على السابقة. قال: ولما فتح الله على المسلمين غنائم رستم، وقدمت على عمر الفتوح من الشام والعراق جمع المسلمين فقال: ما يحل للوالي من هذا المال قالوا: أما لخاصته فقوته وقوت عياله لا وكس ولا شطط، وكسوته وكسوتهم، ودابتان لجهاده وحوائجه، وحمالته إلى حجه وعمرته، والقسم بالسوية أن يعطي أهل البلاء على قدر بلائهم، ويرم أمور المسلمين ويعاهدهم.) وفي القوم علي رضي الله عنه ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن فقال: ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف. وقيل إن عمر قعد على رزق أبي بكر حتى اشتدت حاجته، فأرادوا أن يزيدوه فأبى عليهم. وكان عماله في هذه السنة: عتاب بت أسيد، كذا قال ابن جرير،
14

(3/144)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 145
وقد قدمنا موت عتاب، قال: وعلى الطائف يعلى بن منية، وعلى الكوفة سعد، وعلى قضائها أبو وقرة. وعلى البصرة المغيرة بن شعبة. وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص. وعلى عمان حذيفة بن محصن. وعلى ثغور الشام أبو عبيدة بن الجراح.
14

(3/145)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 146
2 (المتوفون فيها)
الحارث بن هشام يقال توفي فيها. وسيأتي في طاعون عمواس. سعد بن عبادة بن دليم بن الحارثة بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج. الأنصاري الساعدي. سيد الخزرج أبو
14

(3/146)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 147
ثابت، ويقال أبو قيس. أحد النقباء ليلة العقبة. وقد اجتمعت عليه الأنصار يوم السقيفة وأرادوا أن يبايعوه بالخلافة. لم يذكر أهل المغازي أنه شهد بدراً. وذكر البخاري وأبو حاتم أنه شهدها، وروى ذلك عن عروة. قال الواقدي: كان سعد، وأبو دجانة، والمنذر بن عمرو لما أسلموا يكسرون أصنام بني ساعدة. وكان سيداً جواداً. لم يشهد بدراً. وكان يتهيأ للخروج، فنهش قبل أن يخرج، فأقام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن سعد لم يشهد بدراً لقد كان عليها حريصاً. هكذا حكاه ابن سعد في الطبقات بلا سند. وقد شهد أحداً والمشاهد. قال: وكان يبعث كل يوم بجفنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، وقال عروة: كان ينادي على أطم سعد: من أحب شحماً ولحماً فليأت سعد بن عبادة. وقد أدركت ابنه يفعل ذلك. وقال ان عباس: إن أم سعد توفيت فتصدق عنها بحائطه المخراف.
14

(3/147)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 148
ولسعد ذكر في حديث الإفك. وقد حدث عنه بنوه: قيس، وإسحاق، وابن عباس، وأبو أمامة بن سهل، وسعيد بن المسيب، ولم يدركه.) وقال ابن سعد: أنا محمد بن عمر حدثني محمد بن صالح، عن الزبير بن المنذر بن أبي أسيد الساعدي أن أبا بكر بعث إلى سعد بن عبادة أن أقبل فبايع فقد بايع الناس. فقال: لا والله لا أبايع حتى أراميكم بما في كنانتي وأقاتلكم بمن معي. قال: فقال بشير بن سعد: يا خليفة رسول الله إنه قد أبى ولج وليس بمبايعكم أو يقتل، ولن يقتل حتى يقتل معه ولده وعشيرته، ولن يقتلوا حتى تقتل الخزرج، فلا تحركوه فقد استقام لكم الأمر وليس بضاركم، إنما هو رجل واحد ما ترك. فقبل أبو بكر نصيحة بشير. قال: فلما ولي عمر لقيه ذات يوم فقال له: إيه يا سعد. فقال: إيه يا عمر. فقال عمر: أنت صاحب ما أنت صاحبه. قال: نعم وقد أفضى إليك هذا الأمر. وكان والله صاحبك أحب إلينا منك، وقد والله أصبحت كارهاً لجوارك. فقال عمر: إنه من كره جوار جاره تحول عنه، فقال سعد: أما إني غير مستسر بذلك. وأنا متحول إلى جوار من خو خير منك. فلم يلبث أن خرج مهاجراً إلى الشام. فمات بحوران. قال محمد بن عمر: ثنا حيى بن عبد العزيز بن سعد بن عبادة، عن أبيه قال: توفي سعد بحوران لسنتين ونصف من خلافة عمر. قال محمد بن عمر: كأنه مات سنة خمس عشرة. قال عبد العزيز: فلما علم بموته بالمدينة حتى سمع غلمان في بئر منبه أو بئر سكن وهم يقتحمون نصف النهار قلئلاً من البئر:
14

(3/148)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 149
(نحن قتلنا سيد ال .......... خزرج سعد بن عباده)

(فرميناه بسهمي .......... ن فلم نخط فؤاده)
فذعر الغلمان، فحفظ ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد، وإنما جلس يبول في نفق فاقتتل فمات من ساعته، وجدوه قد اخضر جلده. وقال ابن أبي عروبة: سمعت محمد بن سيرين يحدث أنه بال قائماً، فلما رجع قال لأصحابه: إني لأجد دبيباً، فمات فسمعوا الجن تقول: نحن قتلنا سيد الخزرج البيتين. وقال سعيد بن عبد العزيز: أول مدينة فتحت بالشام بصرى، وفيها مات سعد بن عبادة. سعد بن عبيد بن النعمان أبو زيد الأنصاري الأوسي. استشهد بوقعة القادسية، وقيل إنه والد عمير بن سعد الزاهد أمير حمص لعمر، شهد سعداً بدراً وغيرها، وكان يقال له سعد القاري.
15

(3/149)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 150
وذكر محمد بن سعد أن القادسية سنة ست عشرة. وأنه قتل بها وله أربع وستون سنة.) وقال قيس بن مسلم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعد بن عبيد أنه خطبهم فقال: إنا لاقوا العدو غداً وإنا مستشهدون غداً، فلا تغسلوا عنا دماً ولا نكفن إلا في ثوب كان علينا. سعيد بن الحارث بن قيس بن عدي القرشي السهمي، هو وإخوته الحجاج، ومعبد، وتميم، وأبو قيس، وعبد الله، والسائب، كلهم من مهاجرة الحبشة، ذكرهم ابن سعد. استشهد أكثرهم يوم اليرموك ويوم أجنادين. سهيل بن عمو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك حسل بن عامر بم لؤي أبو يزيد
15

(3/150)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 151
العامري، أحد خطباء قريش وأشرافهم. أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وكان قد أسر يوم بدر، وكان قد قام بمكة وحض على النفير فقال: يا آل غالب أتاركون أنتم محمداً والصباة يأخذون عيركم من أراد مالاً فهذا مال، ومن أراد قوة فهذه قوة. وكان سمحاً جواداً فصيحاً، قام خطيباً بمكة أيضاً عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بنحو خطبة أبي بكر فسكنهم، وهو الذي مشى في صلح الحديبية. وقال الزبير بن بكار، كان سهيل بعد كثير الصلاة والصوم والصدقة، وحرج بجماعته إلى الشام مجاهداً، وقيل إنه صام حتى شحب لونه وتغير، وكان كثير البكاء عند قراءة القرآن. قال المدائني وغيره: إنه استشهد يوم اليرموك. وقال الشافعي والواقدي: إنه توفي بطاعون عمواس. روى عنه يزيد بن عميرة الزبيدي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل كان أميراً على كردوس يوم اليرموك.
15

(3/151)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 152
عامر بن مالك بن أهيب الزهري أخو سعد بن أبي وقاص، من مهاجرة الحبشة. قدم دمشق بكتاب عمر على أبي عبيدة بإمرته على الشام وعزل خالد، استشهد يوم اليرموك على الصحيح. عبد الله بن سفيان هذا ابن أخي أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي. له صحبة وهجرة إلى الحبشة ورواية. روى عنه عمرو بن دينار منقطعاً، واستشهد باليرموك. عبد الرحمن أخو الزبير بن العوام لأبيه حضر بدراً هو وأخوه عبيد الله الأعرج مشركين، فهربا فأدرك عبيد الله فقتل، ثم أسلم فيما بعد هذا، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم،) واستشهد باليرموك. عتبة بن غزوان رضي الله عنه، يقال مات فيها، وقد تقدم. عكرمة بن أبي جهل المخزومي، يقال استشهد يوم اليرموك، وقد تقدم. د ن ق عمر بن أم مكتوم الضرير.
15

(3/152)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 153
مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلفه على المدينة في غير غزوة، قيل كان اللواء معه يوم القادسية، واستشهد يومئذ. وقال ابن سعد: رجع إلى المدينة بعد القادسية، ولم نسمع له بذكر بعد عمر. قلت: روى عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو رزين الأسدي، وله ترجمة طويلة في كتاب ابن أسعد. عمرو بن الطفيل بن عمرو بن طريف قتل باليرموك. عياش بن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عياش المخزومي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سماه في القنوت ودعا له بالنجاة.
15

(3/153)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 154
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه ابنه عبد الله وغيره، وهو أخو أبي جهل لأمه، كنيته أبو عبد الله، واستشهد يوم اليرموك. فراس بن النضر بن سعد بن سهم، من مهاجرة الحبشة، قتل باليرموك. قيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري المازني. شهد العقبة وبدراً، وورد له حديث من طريق ابن لهيعة عن جبان بن واسع بن حبان، عن أبيه عنه، قلت: في كم أقرأ القرآن يا رسول الله قال: في خمس عشرة، قلت: أجدني أقوى من ذلك. وفيه دليل على أنه جمع القرآن. وكان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك. نصير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار
15

(3/154)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 155
ابن قصي العبدي القرشي. من مسلمة الفتح ومن حكماء قريش، وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه مائة من الإبل من غنائم حنين، تألفه بذلك. فتوقف في أخذها وقال: لا أرتشي على الإسلام، ثم قال: والله ما طلبتها ولا سألتها وهي عطية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها، وحسن إسلامه،) واستشهد يوم اليرموك، وأخوه النضر قتل كافراً في نوبة بدر. نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، أبو الحارث ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم. وهو أسن من أسلم من بني هاشم، وقد أسر يوم ففداه العباس، فلما فداه أسلم. وقيل إنه هاجر أيام الخندق، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين العباس، وكانا شريكين في الجاهلية متحابين، شهد نوفل الحديبية والفتح، وأعان
15

(3/155)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 156
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، وثبت معه يومئذ. توفي سنة خمس عشرة بخلف وقيل سنة عشرين. هشام بن العاص السهمي. عند ابن سعد أنه قتل يوم اليرموك.
15

(3/156)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 157
(أحداث سنة ست عشرة)
قيل: كانت وقعة القادسية في أولها. واستشهد يومئذ مائتان، وقيل: عشرون ومائة رجل. قال خليفة: فيها فتحت الأهواز ثم كفروا، فحدثني الوليد بن هشام، عن أبيه، عن جده قال: سار المغيرة بن شعبة إلى الأهواز فصالحه الفيرزان علة ألفي ألف درهم، ثم غزاهم الأشعري بعده. وقال الطبري: فيها دخل المسلمون مدينة بهرسير وافتتحوا المدائن، فهرب منها يزدجرد بن شهريار.
15

(3/157)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 158
فلما نزل سعد بن أبي وقاص بهرسير وهي المدينة التي فيها منزل كسرى طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى، فلم يقدر على شيء منها، وجدهم قد ضموا السفن، فبقي أياماً حتى أتاه أعلاج فدلوه على مخاضة، فأبى، ثم إنه عزم له أن يقتحم دجلة، فاقتحمها المسلمون وهي زائدة ترمي بالزبد، ففجئ أهل فارس أمر لم يكن لهم في حساب، فقاتلوا ساعة ثم انهزموا وتركوا جمهور أموالهم، واستولى المسلمون على ذلك كله، ثم أتوا إلى القصر الأبيض، وبه قوم قد تحصنوا ثم صالحوا. وقيل إن الفرس لما رأوا اقتحام المسلمين الماء تحيروا وقالوا: والله ما نقاتل الإنس ولا نقاتل الجن، فانهزموا. ونزل سعد القصر الأبيض، واتخذ الإيوان مصلى، وإن فيه لتماثيل جص فما حركها. ولما انتهى إلى مكان كسرى أخذ يقرأ كم تركوا من جنات وعيون وزروع الآية.)
15

(3/158)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 159
قالوا: وأتم سعد الصلاة يوم دخلها، وذلك أنه أراد المقام بها، وكانت أول جمعة جمعت بالعراق، وذلك في صفر سنة ست عشرة. قال الطبري: قسم سعد الفيء بعد ما خمسه، فأصاب الفارس اثنا عشر ألفاً، وكل الجيش كانوا فرساناً. وقسم سعد دور المدائن بين الناس وأوطنوها، وجمع سعد الخمس وأدخل فيه كل شيء من ثياب كسرى وحليه وسيفه. وقال للمسلمين: هل لكم أن تطيب أنفسكم عن أربعة أخماس هذا القطف فنبعث به إلى عمر، فيضعه حيث يرى ويقع من أهل المدينة موقعاً قالوا: نعم، فبعثه على هيئته. وكان ستين ذراعاً في ستين ذراعاً بساطاً واحداً مقدار جريب. فيه طرق كالصور. وفصوص كالأنهار، وخلال ذلك كالدر، وفي حافاته كالأرض المزروعة، والأرض كالمبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قصبات الذهب. ونواره بالذهب والفضة ونحوه. فقطعه عمر وقسمه بين الناس. فأصاب علياً قطعة منه فباعها بعشرين ألفاً. واستولى المسلمون في ثلاثة أعوام على كرسي مملكة كسرى، وعلى كرسي مملكة قيصر، وعلى أمي بلادهما. وغنم المسلمون غنائم لم يسمع بمثلها قط من الذهب والجوهر والحرير والرقيق والمدائن والقصور. فسبحان الله العظيم الفتاح.
16

(3/159)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 160
وكان لكسرى وقيصر ومن قبلهما من الملوك في دولتهم دهر طويل، فأما الأكاسرة والفرس وهم المجوس فملكوا العراق والعجم نحواً من خمسمائة سنة، فأول ملوكهم دارا، وطال عمره فيقال إنه بقي في الملك مائتي سنة، وعدة ملوكهم خمسة وعشرون نفساً، منهم امرأتان، وكان آخر القوم يزدجرد الذي هلك في زمان عثمان، وممن ملك منهم ذو الأكتاف سابور، هذا يملك الأر، فوضع التاج على بطن الأم، وكتب منه إلى الآفاق وهو بعد جنين، وهذا شيء لم يسمع بمثله قط، وإنما لقب بذي الأكتاف لأنه ينزع أكتاف من غضب عليه، وهو الذي بنى الإيوان الأعظم وبنى نيسابور وبنى سجستان. ومن متأخري ملوكهم أنوشروان، وكان حازماً عاقلاً، كان له اثنا عشر ألف امرأة وسرية، وخمسون ألف دابة، وألف فيل إلا واحداً، وولد نبينا في زمانه، ثم مات أنوشروان وقت موت عبد المطلب، ولما استولى الصحابة على الإيوان أحرقوا ستره، فطلع منه ألف مثقال مثقال ذهباً.)
2 (وقعة جلولاء)
في هذه السنة قال الطبري ابن جرير الطبري: فقتل الله من الفرس مائة
16

(3/160)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 161
ألف، جللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه، فسميت جلولاء. وقال غيره: كانت في سنة سبع عشرة. وعن أبي وائل قال: سميت جلولاء لما تجللها من الشر. وقال سيف: كانت سنة سبع عشرة. وقال خليفة بن خياط: هرب يزدجرد بن كسرى من المدائن إلى حلوان، فكتب إلى الجبال، فجمع العساكر ووجههم إلى جلولاء، فاجتمع له جمع عظيم، عليهم خرزاذ بن خرهرمز، فكتب سعد إلى عمر يخبره، فكتب إليه: أقم مكانك ووجه إليهم جيشاً، فإن الله ناصرك ومتمم وعده، فعقد لابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، فالتقوا، فجال المسلمون جولة، ثم هزم الله المشركين، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وحوى المسلمون عسكرهم وأصابوا أموالاً عظيمة وسبايا، فبلغت الغنائم ثمانية عشر ألف ألف. وجاء عن الشعبي أن فيء جلولاء قسم على ثلاثين ألف ألف. وقال أبو وائل: سميت جلولاء فتح الفتوح. وقال ابن جرير: أقام هاشم بن عتبة بجلولاء، وخرج القعقاع بن عمرو في آثار القوم إلى خانقين، فقتل من أدرك منهم، وقتل مهران، وأفلت الفيرزان، فلما بلغ ذلك يزدجرد تقهقر إلى الري.
16

(3/161)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 162
وفيها جهز سعداً جنداً فافتتحوا تكريت واقتسموها، وخمسوا الغنائم، فأصاب الفارس منها ثلاثة آلاف درهم. وفيها سار عمر إلى الشام وافتتح بيت المقدس، وقدم إلى الجابية وهي قصبة حوران فخطب بها خطبةً مشهورةً متواترة عنه. قال زهير بن محمد المروزي: حدثني عبد الله بن مسلم بن هرمز أنه سمع أبا الغادية المزني قال: قدم علينا عمر الجابية، وهو على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه عمامة ولا قلنسوة، بين عودين، وطاؤه فرو كبش نجدي، وهو فراشه إذا نزل، وحقيبته شملة أو نمرة محشوة ليفاً وهي وسادته، عليه قميص قد انخرق بعضه ودسم جيبه. رواه أبو إسماعيل المؤدب، عن ابن هرمز فقال: عن أبي العالية الشامي.)
2 (قنسرين)
وفيها بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص بعد فراغه من اليرموك إلى قنسرين، فصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية على الجزية، وفتح سائر بلاد قنسرين عنوة. وفيها افتتحت سروج والرها على يدي عياض بن غنم. وفيها قال ابن الكلبي: سار أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فحاصره أهل إلياء، فسألوه الصلح على أن يكون عمر هو الذي يعطيهم
16

(3/162)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 163
ذلك ويكتب لهم أماناً، فكتب أبو عبيدة إلى عمر، فقدم عمر إلى الأرض المقدسة فصالحهم وأقام أياماً ثم شخص إلى المدينة. وفيها كانت وقعة قرقيسياء، وحاصرها الحارث بن يزيد العامري، وفتحت صلحاً. وفيها كتب التاريخ في شهر ربيعالأول، فعن ابن المسيب قال: أول من كتب التاريخ عمر بن الخطاب لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة علي رضي الله عنهما. وفيها ندب لحرب أهل الموصل ربعي بن الأفكل. من توفي فيها: مارية أم إبراهيم القبطية، وكانت أهداها المقوقس إلى النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثمان، وعاش ابنهاش ابنها إبراهيم عليه السلام عشرين شهراً، وصلى عليها عمر، ودفنت بالبقيع في المحرم.
16

(3/163)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 164
ويقال توفي فيها سعد بن عبادة. وأبو زيد سعد بن عبيد القارىء.
16

(3/164)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 165
(أحداث سنة سبع عشرة)
يقال كانت فيها وقعة جلولاء المذكورة. وفيها خرج عمر إلى سرغ، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت، فوجد الطاعون بالشام، فرجع لما حدثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الطاعون.
2 (توسعة عمر للمسجد النبوي)
وفيها زاد عمر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وعمله كما كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.
2 (عام الرمادة)
وفيها كان القحط بالحجاز، وسمي عام الرمادة، واستسقى عمر للناس بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم.
16

(3/165)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 166
وفيها كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري بإمرة البصرة. وبأن يسير إلى كور الأهواز صلحاً وعنوة، فوظف عمر عليها عشرة آلاف ألف درهم وأربعمائة ألف، وجهد زياد في إمرته أن يخلص العنوة من الصلح فما قدر. قال خليفة: وفيها شهد أبو بكرة، ونافع ابنا الحارث، وشبل بن معبد، وزياد على المغيرة بالزنى ثم نكل بعضهم، فعزله عمر عن البصرة وولاها أبا موسى الأشعري. وقال خليفة: ثنا ريحان بن عصمة، ثنا عمر بن مرزوق، عن أبي فرقد قال: كنا مع أبي موسى الأشعر بالأهواز وعلى خيله تجافيف الديباج. وفيها تزوج عمر بأم كلثوم بنت فاطمة الزهراء، وأصدقها أربعين ألف درهم فيما قيل.
16

(3/166)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 167
2 (الوفيات)
وفيها توفي جماعة، الأصح أنهم توفوا قبل هذه السنة وبعدها، فتوفي عتبة بن غزوان في قول سعيد بن عفير ورواية الواقدي. وتوفي فيها الحارث بن هشام، وإسماعيل بن عمرو في قول ابن عفير. وفي قوله أيضاً شرحبيل وابن عفير توفي أبو عبيدة بن الجراح. وقال أبو مسهر: قرأت في كتاب يزيد بن عبيدة: توفي أبو عبيدة، ومعاذ بن جبل سنة سبع عشرة.
16

(3/167)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 168
16

(3/168)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 169
(أحداث سنة ثماني عشرة)
فيها قال ابن إسحاق: استسقى عمر للناس وخرج ومعه العباس فقال: اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك.
2 (فتح جند يسابور والسوس)
وفيها افتتح أبو موسى جند يسابور والسوس صلحاً، ثم رجع إلى الأهواز. وفيها وجه سعد بن أبي وقاص جرير بن عبد الله البجلي إلى حلوان بعد جلولاء، فافتتحها عنوة. ويقال بل وجه هاشم بن عتبة، ثم انتقضوا حتى ساروا إلى نهاوند، ثم سار هاشم إلى ماء فأجلاهم إلى أذربيجان، ثم صالحوا. ويقال فيها افتتح أبو موسى رامهرمز، ثم سار إلى تستر
17

(3/169)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 170
فنازلها. وقال أبو عبيدة بن المثنى: فيها حاصر هرم بن حيان أهل دست هر، فرأى ملكهم امرأة تأكل ولدها من الجوع فقال: الآن أصالح العرب، فصالح هرماً على أن يخلي لهم المدينة. وفيها نزل الناس الكوفة، وبناها سعد باللبن، وكانوا بنوها بالقصب فوقع بها حريق هائل. وفيها كان طاعون عمواس بناحية الأردن، فاستشهد فيه خلق من المسلمين. ويقال إنه لم يقع بمكة ولا بالمدينة طاعون.
17

(3/170)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 171
2 (ذكر بعض من توفي بالطاعون)
أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي الفهري، أمين هذه الأمة وأحد العشرة وأحد الرجلين الذين عينهما أبو بكر للخلافة يوم السقيفة.)
17

(3/171)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 172
روى عنه جابر، وأبو أمامة، وأسلم مولى عمر، وجماعة. ولي إمرة أمراء الأجناد بالشام، وكان من السابقين الأولين، شهد بدراً ونزع الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بأسنانه رفقاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فانتزعت ثنيتاه، فحسن ذهابهما فاه، حتى قيل: ما رؤي أحسن من هتم أبي عبيدة. وقد انقرض عقببه. وقيل: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين محمد بن مسلمة. وعم مالك بن يخامر أنه وصف أبا عبيدة فقال: كان نحيفاً معروق الوجه خفيف اللحية طوالاً أجنى أثرم الثنيتين. وقال موسى بن عقبة في غزوة ذات السلاسل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمد عمرو ابن العاص بجيش فيهم أبو بكر وعمر، وأمر عليهم أبا عبيدة. وقال راشد بن سعد وغيره إن عمر قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته، فإن سألني الله لم استخلفته قلت: إني سمعت نبيك يقول:
17

(3/172)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 173
إن لكل أمة أميناً وأين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح. وقال عبد الله بن شقيق: سألت عائشة: أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحب إليه فقالت: أبو بكر، ثم عمر، ثم أبو عبيدة. وقال عروة بن الزبير: قدم عمر الشام فتلقوه، فقال: أين أخي أبو عبيدة قالوا: يأتيك الآن، فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلم عليه ثم قال للناس: انصرفوا عنا، فسار معه حتى أتى منزله عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله، فقال عمر: لو اتخذت متاعاً أو قال شيئاً قال: يا أمير المؤمنين إن هذه سيبلغنا المقيل. ومناقب أبي عبيدة كثيرة ذكرها الحافظ أبو القاسم في تاريخ
17

(3/173)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 174
دمشق. وقال أبو الموجه المروزي: زعموا أن أبا عبيدة كان في ستة وثلاثين ألفاً من الجند: فلم يبق من الطاعون، يعني إلا ستة آلاف. وقال عروة: إن وجع عمواس كان معافى منه أبو عبيدة وأهله فقال: اللهم نصيبك في آل أبي عبيدة فخرجت به بثرة: فجعل ينظر إليها فقيل: إنها ليست بشيء، فقال: إني لأرجو أن يبارك) الله فيها. وعن عروة بن رويم أن أبا عبيدة أدركه أجله بفحل فتوفي بها، وهي بقرب بيسان. قال الفلاس وجماعة: إنه توفي سنة ثماني عشرة زاد الفلاس: وله ثمان وخمسون سنة. وكان خضب بالحناء والكتم، وله عقيصتان، رضي الله عنه.
17

(3/174)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 175
معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي من بني سلمة الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن.
17

(3/175)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 176
شهد العقبة وبدراً، وكان إماماً ربانياً. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا معاذ والله إني أحبك. وعن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأتي معاذ أمام العلماء برتوة.
17

(3/176)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 177
وقال ابن مسعود: كنا نشبه معاذاً بإبراهيم الخليل. كان أمة قانتاً لله حنيفاً وما كان من المشركين. وقال محمد بن سعد: كان معاذ رجلاً طوالاً أبيض، حسن الثغر، عظيم العينين، مجموع الحاجبين، جعداً قططاً. وقيل إنه أسلم وله ثماني عشرة سنة، وعاش بضعاً وثلاثين سنة وقبره بالغور. وروى عنه أنس، وأبو الطفيل وأبو مسلم عبد الله بن ثوب الخولاني، وأسلم مولى عمر، والأسود بن يزيد، ومسروق، وقيس بن أبي حازم، وخلق سواهم. واستشهد هو وابنه في طاعون عمواس، وأصيب بابنه عبد الرحمن قبله. وقال بشير بن يسار: لما بعث معاذ إلى اليمن معلماً، وكان رجلاً أعرج فصلى بالناس فبسط رجله فبسطوا أرجلهم، فلما فرغ قال: أحسنتم ولا تعودوا، واعتذر عن رجله. وفي الصحيح من حديث أنس رفعه: أعلم أمتي بالحلال والحرام
17

(3/177)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 178
معاذ بن جبل وعن جابر قال: كان من أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً، وأسمحهم كفاً، فأدان ديناً كثيراً فلزمه غرماؤه حتى تغيب، ثم طلبه النبي صلى الله عليه وسلم ومعه غرماؤه فقال: رحم الله من تصدق عليه فأبرأه ناس وقال آخرون: خذ لنا نصف حقنا منه، فخلعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ماله ودفعه إلى الغرماء، فاقتسموه وبقي لهم عليه، ثم بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وقال: لعل الله يجيرك فلم يزل بها حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم،) وقدم على أبي بكر. وقال شهر بن حوشب، عن الحارث بن عميرة الزبيدي قال: إني
17

(3/178)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 179
لجالس عند معاذ وهو يموت، فأفاق وقال: أخنق علي خنقك فوعزتك إني لأحبك. وعن عبد الله بن كعب بن مالك أن معاذاً توفي في سنة ثماني عشرة وله ثمان وثلاثون سنة. يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية الأموي، ويقال له يزيد الخير، أمه زينب بنت نوفل الكنانية.
18

(3/179)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 180
أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وشهد حنيناً، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من الغنائم فيما قيل مائة بعير وأربعين أوقية، وكان جليل القدر شريفاً سيداً فاضلاً، وهو أحد أمراء الأجناد الأربعة الذين عقد لهم أبو بكر الصديق وسيرهم لغزو الشام، فلما فتحت دمشق أمره عمر على دمشق، ثم ولى بعد موته أخاه معاوية. له عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء، وعن أبي بكر. روى عنه أبو عبد الله الأشعري، وجنادة بن أبي أمية. توفي في الطاعون. وقال الوليد بن مسلم: إنه توفي في سنة تسع عشرة بعد أن افتتح قيسارية التي بساحل الشام. عوف الأعرابي: ثنا مهاجر أبو مخلد، حدثني أبو العالية قال: غزا يزيد بن أبي سفيان بالناس، فوقعت جارية نفيسة في سهم رجل، فاغتصبها يزيد، فأتاه أبو ذر فقال: رد على الرجل جاريته، فتلكأ فقال: لئن فعلت ذلك لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له يزيد، فقال: نشدتك بالله أنا منهم قال: لا، فرد على الرجل جاريته. أخرجه الروياني في مسنده.
18

(3/180)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 181
ق شرحبيل بن حسنة وهي أمه، واسم أبيه عبد الله المطاع، حليف بني زهرة، أبو عبد الله من كندة. هاجر هو وأمه إلى الحبشة. وله رواية حديثين. روى عنه عبد الرحمن بن غنم، وأبوه عبد الله الأشعري. وكان أحد الأمراء الأربعة الذين أمرهم أبو بكر الصديق.)
18

(3/181)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 182
الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، وكان جميلاً مليحاً وسيماً. توفي شاباً لأنه يوم حجة الوداع كان أمرد، وكان يومئذ رديف النبي صلى الله عليه وسلم. له صحبة ورواية. روى عنه أخوه عبد الله، وأبو هريرة، وربيعة بن الحارث. توفي، وابن البرقي، وهو الصحيح، ويقال: قتل يوم مرج الصفر، ويقال: يوم أجنادين، ويقال: يوم اليرموك، ويقال: سنة ثمان وعشرين.
18

(3/182)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 183
الحارث بن هاشم بن المغيرة المخزومي أبو عبد الرحمن أخو أبي جهل. أسلم يوم الفتح، وكان سيداً شريفاً، تألفه النبي صلى الله عليه وسلم لحسبه بمائة من الإبل من غنائم حنين، ثم حسن إسلامه. ولما خرج من مكة إلى الجهاد بالشام جزع لذلك أهل مكة وخرجوا
18

(3/183)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 184
يشيعونه ويبكون لفراقه. وتزوج عمر بعده بامرأته فاطمة. وقال ابن سعد: تزوج عمر بابنته أم حكيم. مات الحارث في الطاعون. سهيل بن عمرو العامري خطيب قريش. في الطاعون بخلف، وقد مر سنة خمس عشرة. أبو جندل بن سهيل بن عمرو، اسمه العاص. من خيار الصحابة، وهو الذي جاء يوم صلح الحديبية يرسف في قيوده، وكان أبوه قيده لما أسلم، فقال أبوه للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده، فرده. له صحبة وجهاد. توفي بطاعون عمواس، وقتل أخوه عبد الله يوم اليمامة، وكان بدرياً.
18

(3/184)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 185
م د س ق أبو مالك الأشعري قدم مع أصحاب السفينتين أيام خيبر، ونزل الشام اسمه كعب بن عاصم، وقيل عمرو، وقيل عامر بن الحارث. روى عنه عبد الرحمن بن غنم، وأم الدرداء، وربيعة الجرشي، وأبو سلام الأسود. وأرسل عنه عطاء بن يسار، وشهر بن حوشب. وقال شهر بن حوشب عن ابن غنم: طعن معاذ وأبو عبيدة وأبو مالك في يوم واحد.) وقال ابن سعد وغيره: توفي في خلافة عمر. وقد أعدت ذكر أبي مالك في طبقة ابن عباس. وفيها افتتح أبو موسى الرها وسميساط عنوة.
18

(3/185)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 186
2 (بقية حوادث سنة ثماني عشرة)
وفي أوائلها وجه أبو عبيدة بن الجراح عياض بن غنم الفهري إلى الجزيرة، فوافق أبا موسى قد قدم من البصرة، فمضيا فافتتحا حران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة، وقيل صلحاً. وفيها سار عياض بن غنم إلى الموصل فافتتحها ونواحيها عنوة. وفيها بنى سعد جامع الكوفة.
18

(3/186)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 187
(أحداث سنة تسع عشرة)

2 (فتح قيسارية)
قال خليفة: فيها فتحت قيسارية، وأمير العسكر معاوية بن أبي سفيان وسعد بن عامر بن حذيم، كل أمير على جنده، فهزم الله المشركين وقتل منهم مقتلة عظيمة، ورخها ابن الكلبي. وأما ابن إسحاق فقال: سنة عشرين. وفيها كانت وقعة صهاب بأرض فارس في ذي الحجة. وعلى المسلمين الحكم بن أبي العاص، فقتل شهرك مقدم المشركين. قال خليفة: وفيها أسرت الروم عبد الله بن حذافة السهمي.
2 (فتح تكريت)
وقيل: فيها فتحت تكريت. ويقال: فيها كانت جولاء وهي وقعة أخرى كانت بالعجم أو بفارس.
18

(3/187)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 188
وفيها وجه عمر عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة، فكان عندها شيء من قتال، أصيب فيه: صفوان بن المعطل بن رخصة السلمي الذكواني، صاحب
18

(3/188)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 189
النبي صلى الله عليه وسلم الذي له ذكر في حديث الإفك، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ما علمت عليه إلا خيراً. وقال هو: ما كشفت كنف أنثى قط. له حديثان.) روى عنه سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وسعيد المقبري، وروايتهم عنه مرسلة إن كان توفي في هذه الغزوة، وإن كان توفي كما قال الواقدي سنة ستين بسمسياط فقد سمعوا منه. وقال خليفة: مات بالجزيرة. وكان على ساقة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان شاعراً.
19

(3/189)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 190
وقال ابن إسحاق: قتل في غزوة أرمينية هذه، وكان أحد الأمراء يومئذ. وفيما توفي يزيد بن أبي سفيان في قول، وقد تقدم.
19

(3/190)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 191
2 (الوفيات)
أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، أبو
19

(3/191)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 192
المنذر الأنصاري، وقيل: يكنى أيضاً أبا الطفيل، سيد القراء. شهد العقبة وبدراً. روى عنه بنوه: محمد، والطفيل، وعبد الله، وابن عباس، وأنس، وسويد بن غفلة، وأبو عثمان النهدي، وزر بن حبيش، وخلق سواهم. عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله قال: كان أبي دحداحاً ليس بالقصير ولا بالطويل. وعن عباس بن سهل قال: كان أبيض الرأس واللحية. وقال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا وقال: سماني لك قال: نعم، فبكى.
19

(3/192)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 193
وقال أنس: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد أحد عمومتي. وقال ابن عباس: قال عمر: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبي، وهو يقول: لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله: ما ننسخ من آية أو ننسأها. وقال أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم:: أقرأ أمتي أبي بن كعب. وعن محمد بن أبي، عن أبيه وروى من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري قال أبي: يا رسول الله ما جزاء الحمى، قال: تجري الحسنات
19

(3/193)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 194
على صاحبها، فقال: اللهم إني أسألك حمى) لا تمنعني خروجاً في سبيلك، فلم يمس أبي قط إلا وبه حمى. قلت: ولهذا يقول زر: كان أبي فيه شراسة. وقال أبو نضرة العبدي: قال رجل منا يقال له جابر أو جويبر: طلبت حاجة إلى عمر وإلى جنبه رجل أبيض الثياب والشعر، فقال: أن الدنيا فيها بلاغاً وزادنا إلى الآخرة، وفيها أعمالنا التي نجزى بها في الآخرة، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين قال: هذا سيد المسلمين أبي بن كعب. وقال معمر: عامة علم ابن عباس من ثلاثة: عمر، وعلي، وأبي. قال الهيثم بن عدي: توفي أبي سنة تسع عشرة. وقال ابن معين: توفي سنة عشرين أو تسع عشرة. وقال أبو عمر الضرير، وأبو عبيد، ومحمد بن عبد الله بن نمير
19

(3/194)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 195
ورواه الواقدي عن غير واحد أنه توفي سنة اثنتين وعشرين. وقال خليفة والفلاس: في خلافة عثمان. وقال ابن سعد: قد سمعت من يقول: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، قال: وهو أثبت الأقاويل عندنا. وفيها مات بالمدينة: خباب مولى عتبة بن غزوان. له صحبة وسابقة، صلى عليه عمر. لم يذكره ابن أبي حاتم، وذكره الواقدي فيمن شهد بدراً، وكناه، أبا حيى. وقال أبو أحمد الحاكم: شهد بدراً ومات سنة تسع عشرة، وله خمسون سنة.
19

(3/195)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 196
19

(3/196)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 197
(أحداث سنة عشرين)
فيها فتحت مصر. روى خليفة عن غير واحد وغيره أن فيها كتب عمر إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر، فسار وبعث عمر الزبير بن العوام مدداً له، ومعه بسر بن أرطأة، وعمير بن وهب الجمحي، وخارجة بن حذافة العدوي، حتى أتى باب أليون فتحصنوا، فافتتحها عنوة وصالحه أهل الحصن، وكان الزبير أول من ارتقى سور المدينة ثم تبعه الناس، فكلم الزبير عمراً أن يقسمها بين من افتتحها، فكتب عمرو إلى عمر، فكتب عمر: أكلة، وأكلات خير من أكلة، أقروها.
19

(3/197)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 198
وعن عمرو بن العاص أنه قال على المنبر: لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قيط مصر علي عهد ولا قد، وإن شئت قتلت، وإن شئت بعت، وإن شئت خمست إلا أهل انطابلس فإن لهم عهداً نفي به. وعن عل بن رباح قال: المغرب كله عنوة. وعن عمر قال: افتتحت مصر بغير عهد. وكذا قال جماعة. وقال يزيد بن أبي حبيب: مصر كلها صلح إلا الإسكندرية.
2 (غزو تستر)
قال الوليد بن هشام القحذمي، عن أبيه وعمه أن أبا موسى لما فرغ من الأهواز، ونهر تيرى، وجند يسابور، ورامهرمز، توجه إلى تستر، فنزل باب الشرقي، وكتب يستمد عمر، فكتب إلى عمار بن ياسر أن أمده، فكتب إلى جرير وهو بحلوان أن سر إلى أبي موسى، فسار في ألف فأقاموا أشهراً، ثم كتب أبو موسى إلى عمر: إنهم لم يغنوا سيئاً. فكتب عمر إلى عمار أن سر بنفسك، وأمده عمر من المدينة.
19

(3/198)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 199
وعن عبد الرحمن ن أبي بكرة قال: أقاموا سنة أو نحوها، فجاء رجل من تستر وقال لأبي موسى: أسألك أن تحقن دمي وأهل بيتي ومالي، على أن أدلك على المدخل، فأعطاه، قال: فأبلغني إنساناً سابحاً ذا عقل يأتيك بأمر بين، فأرسل معه مجزأة بن ثور السدوسي، فأدخل من مدخل الماء ينبطح على بطنه أحياناً ويحبو حتى دخل المدينة وعرف طرقها، وأراه العلج الهرمزان صاحبها، فهم بقتله ثم ذكر قول أبي موسى: لا تسبقني بأمر ورجع إلى أبي موسى، ثم إنه دخل بخمسة وثلاثين رجلاً كأنهم البط يسبحون، وطلعوا إلى السور وكبروا،) واقتتلوا هم ومن عندهم على السور، فقتل مجزأة. وفتح أولئك البلد، فتحصن الهرمزان في برج. وقال قتادة، عن أنس: لم نصل يومئذ الغداة حتى انتصف النهار فما يسرني بتلك الصلاة الدنيا كلها. وقال ابن سيرين: قتل يومئذ البراء بن مالك. وقيل: أول من دخل تستر عبد الله بن مغفل المازني. وعن الحسن قال: حوصرت تستر سنتين. وعن الشعبي قال: حاصرهم أبو موسى ثمانية عشر شهراً، ثم نزل
20

(3/199)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 200
الهرمزان على حكم عمر، فقال حميد، عن أنس: نزل الهرمزان على حكم عمر. فلما انتهينا إليه يعني إلى عمر بالهرمزان قال: تكلم، قال: كلام حي أو كلام ميت قال: تكلم فلا بأس، قال: إنا وإياكم معشر العرب ما خلى الله بيننا وبينكم، كنا نغضبكم ونقتلكم ونفعل، فما كان الله معكم لم يكن لنا بكم يدان، قال: يا أنس ما تقول قلت: يا أمير المؤمنين تركت بعدي عدداً كثيراً وشوكة شديدة، فإن تقتله ييأس القوم من الحياة ويكون أشد لشوكتهم، قال: فأنا أستحيي قاتل البراء ومجزأة بن ثور فلما أحسست بقتله قلت: ليس إلى قتله سبيل، قد قلت له: تكلم فلا بأس، قال: لتأتيني بمن يشهد به غيرك، فلقيت الزبير فشهد معي، فأمسك عنه عمر، وأسلم الهرمزان، وفرض له عمر، وأقام بالمدينة. وفيها هلك هرقل عظيم الروم، وهو الذي كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام، وقام بعده ابنه يسطنطين. وفيها قسم عمر خيبر وأجلى عنها اليهود، وقسم وادي القرى، وأجلى يهود نجران إلى الكوفة. قال محمد بن جرير الطبري.
20

(3/200)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 201
2 (الوفيات)
بلال بن رباح الحبشي مولى أبي بكر الصديق، وأمه حمامة. كان من السابقين الأولين الذين عذبوا في الله.
20

(3/201)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 202
شهد بدراً، وكان مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم. روى عنه ابن عمر، وأبو عثمان النهدي، والأسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجماعة. كنيته أبو عبد الكريم، وقيل أبو عبد الله، ويقال أبو عمرو. قال ابن مسعود في حديث المعذبين في الله قال: فأما بلال فهانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول أحد أحد.
20

(3/202)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 203
وقال هشام بن عروة، عن أبيه قال: مر ورقة بن نوفل ببلال وهو يعذب على الإسلام، يلصق ظهره برمضاء البطحاء وهو يقول: أحد أحد فقال ورقة: أحد أحد، يا بلال صبراً، والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حناناً. ورواه بعضهم عن هشام، عن أبيه، عن أسماء. وهذا مشكل، لم يثبت أن ورقة أدرك المبعث ولا عد صحابياً. وقال غره: فلما رأى أبو بكر بلالاً يعذبه قومه اشتراه منهم بسبع أواقي وأعتقه. وعن أبي أمامة، وأنس يرفعانه قال: بلال ساق الحبشة. وقال أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني
20

(3/203)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 204
سمعت الليلة خشفة نعليك في الجنة. قال: ما تطهرت إلا صليت ما كتب لي. ويروى عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم المرء بلال سيد المؤذنين يوم القيامة. وقال عروة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً، وغيره، عن سعيد بن المسيب: إن أبا بكر لما قعد على المنبر يوم الجمعة قال له بلال: أعتقتني لله أو لنفسك قال: لله، قال: فأذن لي حتى أغزو في سبيل الله، فأذن له، فذهب إلى الشام، فمات هناك. وقال زيد بن أسلم، عن أبيهقال: قدمنا الشام مع عمر فأذن بلال، فذكر الناس النبي صلى الله عليه وسلم، فلم أر باكياً أكثر من يومئذ. وروى سليمان بن بلال بن أبي الدرداء، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: لما دخل عمر) الشام سأل بلال عمر أن يقره بالشام ففعل، قال: وأخي أبو رويحة الذي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبيني، قال: فنزلا داريا في خولان، فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان، فقالا: إنا قد
20

(3/204)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 205
أتيناكم خاطبين، وقد كنا كافرين فهدانا الله ومملوكين فأعتقنا الله، وفقيرين فأغنانا الله، فإن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فلا حول ولا قوة إلا بالله، فزوجوهما. ثم رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: ما هذه الجفوة أما آن لك أن تزورني فانتبه وركب راحلته حتى أتى المدينة، فذكر أنه أذن بها فارتجت المدينة، فما رئي يوم أكثر باكياً بالمدينة من ذلك اليوم. وقال ابن المنكدر، عن جابر: كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا، يعني بلالاً. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: بلغ بلالاً أن ناساً يفضلونه على أبي بكر، فقال: كيف وإنما أنا حسنة من حسناته. وقال مكحول: حدثني من رأى بلالاً رجلاً آدم شديد الأدمة، نحيفاً، طوالاً، أجنى له شعر كثير، خفيف العارضين به شمط كثير. قال يحيى بن بكير: توفي بلال بدمشق في الطاعون سنة ثماني عشرة. وقال محمد بن إبراهيم التيمي، وابن إسحاق، وأبو عمر الضرير، وجماعة: توفي سنة عشرين بدمشق. وقال الواقدي: دفن بباب الصغير وله بضع وستون سنة.
20

(3/205)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 206
وقال علي بن عبد الله التميمي: دفن بباب كيسان. وقال ابن زبير: توفي بداريا، ودفن بباب كيسان، وقال غيره: دفن بداريا، وروي أنه مات بحلب. رواه عثمان بن خرزاذ عن شيخ له. أسيد بن الحضير بن سماك الأوسي الأشهلي الأنصاري، أبو يحيى، وقيل أبو عتيك، وقيل غير ذلك.
20

(3/206)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 207
أحد النقباء ليلة العقبة، وكان أبوه رئيس الأوس يوم بعاث، فقتل يومئذ، وذلك قبل الهجرة بست سنين، وكان يدعى حضير الكتائب وكان أسيد بعد أبيه شريفاً في قومه وفي الإسلام، يعد من عقلائهم وذوي رأيهم. قال ابن سعد: وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين زيد بن حارثة، ولم يشهد بدراً.) روى عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث. روى عنه كعب بن مالك، وعائشة، وأنس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وذكر الواقدي أنه قدم الجابية مع عمر، وأنه جعله على ربع الأنصار، وروى الواقدي وغيره أنه أسلم على يد مصعب بن عمير هو وسعد بن معاذ في يوم. وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أسيد بن الحضير وذكر جماعة. أخرجه الترمذي بإسناد صحيح. وورد أنه كان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن. وروى ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله، عن أبيه، عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار من بني عبد الأشهل لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: سعد ن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر.
20

(3/207)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 208
وقال يحيى بن بكير: إنه مات سنة عشرين، وحمله عمر بين عمودي السرير، حتى وضعه بالبقيع ثم صلى عليه، وكذا ورخ موته الواقدي، وأبو عبيد، وجماعة. أنيس بن مرثد بن أبي مرثد الغنوي أبو يزيد. كان عين النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، وهو وأبوه وجده صحابيون. قال إبراهيم بن المنذر الحزامي وغيره: إنه توفي في ربيع الأول سنة عشرين، وقيل: إن اسمه أنس، وقيل: إنه المذكور في الرجم في قوله عليه السلام: أغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.
20

(3/208)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 209
روى عنه الحكم بن مسعود حديثاً في الفتنة. البراء بن مالك أخو أنس بن مالك الأنصاري النجاري. كان أحد الأبطال الأفراد الذين يضرب بهم المثل في الفروسية والشدة، وكان من فضلاء الأنصار وأحد السادة الأبرار، قتل من المشركين مائة مبارزة.
21

(3/209)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 210
روى ابن سيرين، عن أنس قال: دخلت عل البراء وهو يتغنى بالشعر فقلت: يا أخي تتغنى بالشعر وقد أبدلك الله به القرآن فقال: أتخاف علي أن أموت على فراشي وقد تفردت بقتل مائة سوى ما شاركت في قتله، إني لأرجو أن لا يفعل الله ذلك بي. وقد روى مثله ثمامة بن أنس، عن أبيه.) شهد البراء أحداً وما بعدها. وعن ابن سيرين قال: كتب عمر أن لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش، فإنه مهلكة من المهالك تقدم بهم. قال ابن عبد البر: استشهد البراء بتستر. السري بن يحيى، عن ابن سيرين، أن المسلمين انتهوا إلى حائط فيه رجال من المشركين، فقعد البراء على ترس وقال: ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم، فألقوه وراء الحائط، قال: فأدركوه وقد قتل منهم عشرة. ابن عون، عن ابن سيرين قال: بارز البراء مرزبان الزراة فطعنه
21

(3/210)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 211
فصرعه وأخذ سلبه فباعه بنيف وثلاثين ألفاً. زينب بنت جحش بن رئاب الأسدي أسد خزيمة، أم المؤمنين أخت أبي أحمد
21

(3/211)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 212
وحمنة، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث، وقيل سنة خمس، وقيل: سنة أربع وهو أصح، وكان قبله مولاه زيد بن حارثة، قال الله تعالى: فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها، فكانت زينب تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق عرشه. وكانت دينة ورعة كثيرة البر والصدقة، وكانت أول نسائه صلى الله عليه وسلم لحوقاً به، فصلى عليها عمر. أخرج مسلم من حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لنسائه: أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً. قالت: فكن يتطولن أيتهن أطول يداً، فكانت زينب أطولنا يداً لأنها كانت تعمل وتتصدق.
21

(3/212)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 213
ابن عبد البر قال: روينا من وجوه عن عائشة قالت: كانت زينب بنت جحش تساميني في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيت امرأة قط خيراً في الدين من زينب وأتقى لله، وأصدق، حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة. رضي الله عنها. لها أحاديث. روى عنها أم حبيبة بنت أبي سفيان، وزينب بنت أبي سلمة، وابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، وأرسل عنها القاسم بن محمد. توفت سنة عشرين، وكان عمر قد قسم لأمهات المؤمنين في السنة اثني عشر ألف درهم، لكل) واحدة إلا جويرية وصفية فقسم لهما ستة آلاف، لكل واحدة، لكونهما سبيتا. قال الزهري. وقال الواقدي: حدثني عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لهلال ذي القعدة سنة خمس وهي بنت خمس وثلاثين سنة، قال: وكانت امرأة صالحة صوامةً قوامةً صنعاً
21

(3/213)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 214
تتصدق بذلك كله على المساكين. قال الواقدي: وحدثني موسى بن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أمه عمرة، عن عائشة قالت: يرحم الله زينب لقد نالت شرف الدنيا الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوجها نبيه ونطق به القرآن، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا ونحن حوله: أطولكن يداً أسرعكن لحوقاً بي فبشرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرعة لحوقها به وهي زوجته في الجنة. وقال خليفة وحده: توفيت سنة إحدى وعشرين. سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي من أشراف بني جمح، له صحبة ورواية. روى عنه عبد الرحمن بن سابط، وشهر ن حوشب وحسان بن عطية مرسلاً. ذكر ابن سعد أنه شهد خيبر.
21

(3/214)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 215
وقال حسان بن عطية: بلغ عمر أن سعيداً بن عامر وكان قد استعمله على بعض الشام يعني حمص أصابته حاجة فأرسل إليه ألف دينار، فقال لزوجته: إلا نعطي هذا المال لمن يتجر لنا فيه قالت: نعم، فخرج فتصدق به، وذكر الحديث. وروى يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن سابط قال: أرسل عمر إلى سعيد بن عامر: إنا مستعملوك على هؤلاء تسير بهم إلى أرض العدو فتجاهد بهم، فقال: يا عمر لا تفتني. قال: والله لا أدعكم، جعلتموها في عنقي ثم تخليتم عني، إنما أبعثك على قوم لست بأفضلهم.
21

(3/215)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 216
وقال خليفة: فتحت قيسارية وأميرها سعيد بن عامر بن حذيم، ومعاوية بن أبي سفيان، كل واحد أمير على جنده، فهزم الله المشركين وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وولي سعيد بن عامر حمص. وذكر ابن سعد أنه شهد خيبر. وكان سعيد من سادة الصحابة. عياض بن غنم الفهري أبو سعد. من المهاجرين الأولين، شهد بدراً وغيرها، واستخلفه أبو عبيدة عند وفاته على الشام، وكان رجلاً صالحاً زاهداً سمحاً جواداً، فأقره عمر على الشام، وهو الذي افتتح الجزيرة صلحاً، وعاش ستين سنة.) وهو عياض بن غنم ببن زهير بن أبي شداد بن ربيعة.
21

(3/216)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 217
وأما ابن سعد فقال: شهد الحديبية وما بعدها، وكان أحد الأمراء الخمسة يوم اليرموك. يروي عنه عياض بن عمرو الأشعري. أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، اسمه المغيرة، وهو الذي كان آخذاً يوم حنين بلجام بغلة النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت يومئذ معه، وهو أخو نوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث. وقال أبو إسحاق السبيعي: لما حضر أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الموت قال: لا تبكوا علي فإني لم أنتطف بخطيئة منذ أسلمت. وقد روى عنه ابنه عبد الملك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بني هاشم إياكم والصدقة.
21

(3/217)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 218
وقيل أن نوفلاً أخاه توفي في هذه السنة، وقد مر. وكان أبو سفيان أخا النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أرضعتهما حليمة السعدية، سماه المغيرة ابن الكلبي والزبير، وقال آخرون: اسمه كنيته وأخوه المغيرة. وبلغنا أن الذين كانوا يشبهون رسول الله صلى الله عليه وسلم: جعفر ببن أبي طالب، والحسن بن علي، وقثم بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث. وكان أبو سفيان من شعراء بني هاشم، أسلم يوم الفتح، وكان قد وقع منه كلام في النبي صلى الله عليه وسلم، وإياه عنى حسان بقوله:
(ألا أبلغ سفيان عني .......... مغلغلة فقد برح الخفاء)

(هجوت محمداً فأجبت عنه .......... وعند الله في ذاك الجزاء)
ثم أسلم وحسن إسلامه، وحضر فتح مكة مسلماً، وأبلى يوم حنين بلاءً حسناً. فروى ابن إسحاق، عن عاصم ن عمر، عمن حدثه قال: وتراجع الناس يوم حنين، وثبت أبو سفيان مع النبي صلى الله عليه وسلم مع من ثبت، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أبا سفيان وشهد له بالجنة وقال: أرجو أن يكون خلفاً من حمزة.
21

(3/218)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 219
قال ابن إسحاق: وقال يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(أرقت فبات ليلي لا يزول .......... وليل أخي المصيبة فيه طول)
)
(وأسعدني البكاء وذاك فيما .......... أصيب المسلمون به قليل)

(فقد عظمت مصيبتنا وجلت .......... عشية قيل قد قبض الرسول)

(فقدنا الوحي والتنزيل فينا .......... يروح به ويغدو جبرئيل)

(وذاك أحق ما سالت عليه .......... نفوس الناس أو كادت تسيل)

(نبي كان جلو الشك عنا .......... بما يوحي إليه وما يقول)

(ويهدينا فلا نخشى ضلالاً .......... علينا والرسول لنا دليل)

(فلم نر مثله في الناس حياً .......... وليس له من الموتى عديل)

(أفاطم إن جزعت فذاك عذر .......... ثواب الله والفضل الجزيل)

(وقولي في أبيك ولا تملي .......... وهل يجزي بفعل أبيك قيل)

(فقبر أبيك سيد كل قبر .......... وفيه سيد الناس الرسول)
قيل: إن أبا سفيان حج فحلق رأسه، فقطع الحلاق ثؤلولاً كان في
22

(3/219)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 220
رأسه، فمرض منه ومات بعد مقدمه من الحج بالمدينة، وصلى عليه عمر. توفي بعد أخيه نوفل بأربعة أسهر، في قول. صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشقيقة حمزة، وحجل، والمقوم، وأمهم زهرية تزوجها الحارث بن حرب بن أمية فتوفي عنها، وتزوجها العوام بن خويلد فولدت له الزبير حواري رسول الله، والسائب وعبد الكعبة. والصحيح أنه لم يسلم من عمات الرسول صلى الله عليه وسلم سواها. ووجدت على أخيها حمزة وجداً شديداً، وصبرت واحتسبت.
22

(3/220)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 221
وكانت يوم الخندق في حصن حسان بن ثابت، قالت: وهو معنا في الحصن مع الذرية، فمر بالحصن يهودي فجعل يطيق بالحصن والمسلمون في نحور عدوهم، فذكرت الحديث وأنها نزلت وقتلت اليهودي بعمود كما تقدم في غزوة الخندق. توفيت صفية سنة عشرين، ودفنت بالبقيع عن بضع وسبعين سنة. أبو الهيثم بن التيهان البلوي، حليف بني عبد الأشهل، وكان أحد نقباء الأنصار. شهد بدراً والمشاهد كلها، وكان من خيار الصحابة، وهو الذي أضاف النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور.)
22

(3/221)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 222
واسمه مالك بن التيهان بن مالك بن عبيد البلوي القضاعي حليف بني عبد الأشهل. وقيل: هو أنصاري من أنفسهم، شهد العقبتين. وقيل بل توفي سنة إحدى وعشرين، وأخطأ من قال قتل بصفين مع علي، بل ذاك أخوه عبيد. والتيهان بالتخفيف كذا يقوله أهل الحجاز، وشدده أبو الكلبي.
22

(3/222)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 223
(أحداث سنة إحدى وعشرين)

2 (فتح الإسكندرية)
فيها فتح عمرو بن العاص الإسكندرية. وقد مرت. وفيها شكا أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص وتعنتوه، فصرفه عمر وولى عمار بن ياسر على الصلاة، وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة أرض السواد. وفيها سار عثمان بن أبي العاص فنزل توج ومصرها. وبعث سوار بن المثنى العبدي إلى سابور، فاستشهد، فأغار عثمان بن أبي العاص على سيف البحر والسواحل، وبعث الجارود بن المعلى فقتل الجارود أيضاً. عن المفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس القتباني، وعن غير
22

(3/223)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 224
واحد أن عمراً سار من فلسطين بالجيش من غير أمر عمر إلى مصر فافتتحها، فعتب عمر عليه إذ لم يعلمه، فكتب يستأذن عمر بمناهظة أهل الإسكندرية، فسار عمرو في سنة إحدى وعشرين، وخلف على الفسطاط خارجة ببن حذافة العدوي، فالتقى القبط فهزمهم بعد قتال شديد، ثم التقاهم عند الكربون فقاتلوا قتالاً شديداً، ثم انتهى إلى الإسكندرية، فأرسل إليه المقوقس يطلب الصلح والهدنة منه، فأبى عليه، ثم جد في القتال حتى دخلها بالسيف، وغنم ما فيها من الروم، وجعل فيها عسكراً عليهم عبد الله ابن حذافة السهمي، وبعث إلى عمر بالفتح، وبلغ الخبر قسطنطين بن هرقل فبعث خصياً له يقال له منويل في ثلاثمائة مركب حتى دخلوا الإسكندرية، فقتلوا بها المسلمين ونجا من هرب، ونقص أهلها، فزحف إليها عمرو في خمسة عشر ألفاً، ونصب عليها المجانيق، وجد في القتال حتى فتحها عنوة، وخرب جدرها، رؤي عمرو يخرب بيده. رواه حماد بن سلمة، عن أبي عمران، عن علقمة.
2 (نهاوند)
وقال النهاس بن قهم، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن السائب ابن الأقرع قال: زحف) للمسلمين زحف لم ير مثله قط، رجف له أهل ماه وأهل أصبهان وأهل خمذان والري وقومس ونهاوند وأذربيجان، قال فبلغ
22

(3/224)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 225
ذلك عمر فشاور المسلمين، فقال علي رضي الله عنه: أنت أفضلنا وأعلمنا بأهلك. فقال: لأستعملن على الناس رجلاً يكون لأول أسنة يلقاها، يا سائب اذهب بكتابي هذا إلى النعمان بن مقرن، فليسر بثلثي أهل الكوفة، وليبعث إلى أهل البصرة، وأنت على ما أصابوا من غنيمة، فإن قتل النعمان فحذيفة الأمير، فإن قتل حذيفة فجرير بن عبد الله، فإن قتل ذلك الجيش فلا أراك. وروى علقمة بن عبد الله المزني، عن معقل بن يسار أن عمر شاور الهرمزان في أصبهان وفارس وأذربيجان بأتيهن يبدأ، فقال: يا أمير المؤمنين أصبهان الرأس، وفارس وأذربيجان الجناحان، فإن قطعت الرأس وقع الجناحان، فدخل عمر المسجد فوجد النعمان بن مقرن يصلي فسرحه وسرح معه الزبير بن العوام، وحذيفة بن اليمان، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معد يكرب، والأشعث بن قيس، وعبد الله بن عمر، فسار حتى أتى نهاوند، فذكر الحديث إلى أن قال النعمان لما التقى الجمعان: إن قتلت فلا يلوي علي أحد، وإني داع بدعوة فأمنوا. ثم دعا: اللهم ارزقني الشهادة بنصر المسلمين والفتح عليهم، فأمن القوم وحملوا فكان النعمان أول صريع. وروى خليفة بإسناد قال: التقوا بنهاوند يوم الأربعاء فانكشفت مجنبة
22

(3/225)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 226
المسلمين اليمنى شيئاً، ثم التقوا يوم الخميس فثبتت الميمنة وانكشف أهل الميسرة، ثم التقوا يوم الجمعة فأقبل النعمان يخطبهم ويحضهم على الحملة ففتح الله عليهم. وقال زياد الأعجم: قدم علينا أبو موسى بكتاب عمر إلى عثمان بن أبي العاص: أما بعد، فإني قد أمددتك بأبي موسى، وأنت الأمير فتطاوعا والسلام. فلما طال حصار إصطخر بعث عثمان ن أبي العاص عدة أمراء فأغاروا على الرساتيق. وقال ابن جرير في وقعة نهاوند: لما انتهى النعمان إلى نهاوند في جيشه طرحوا له حسك الحديد، فبعث عيوناً فساروا لا يعلمون بالحسك، فزجر بعضهم فرسه وقد دخل في حافره حسكة، فلم يبرح، فنزل فإذا الحسك، فأقبل بها، وأخبر النعمان، فقال النعمان: ما ترون فقالوا: تقهقر حتى يروا أنك هارب فيخرجوا في طلبك، فتأخر النعمان، وكنست الأعاجم الحسك وخرجوا في طلبه فعطف عليهم النعمان وعبأ كتائبه وخطب الناس وقال: إن أصبت) فعليكم حذيفة، فإن أصيب فعليكم جرير البجلي، وإن أصيب فعليكم قيس بن مكشوح، فوجد المغيرة في نفسه إذ لم يستخلفه، قال: وخرجت الأعاجم وقد شدوا أنفسهم في السلاسل لئلا يفروا، وحمل عليهم المسلمون، فرمى النعمان بسهم فقتل، ولفه أخوه سويد بن مقرن في ثوبه وكتم قتله حتى فتح الله تعالى عليهم، ودفع الراية إلى حذيفة.
22

(3/226)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 227
وقتل الله ذا الحاجب يعني مقدمهم، وافتتحت نهاوند، ولم يكن للأعاجم بعد ذلك جماعة. وبعث عمر السائب بن الأقرع مولى ثقيف وكان كاتباً حاسباً، فقال: إن فتح الله على الناس فاقسم عليم فيئهم واعزل الخمس. قال السائب: فإني لأقسم بين الناس إذ جائني أعجمي فقال: أتؤمنني على نفسي وأهلي على أن أدلك على كنز يزدجرد يكون لك ولصاحبك قلت: نعم، وبعثت معه رجلاً، فأتى بسفطين عظيمين ليس فيهما إلا الدر والزبرجد واليواقيت، قال: فاحتملتهما معي، وقدمت على عمر بهما، فقال: أدخلهما بيت المال، ففعلت ورجعت إلى الكوفة سريعاً، فما أدركني رسول عمر إلا بالكوفة، أناخ بعيره على عرقوبي بعيري فقال: الحق بأمير المؤمنين، فرجعت حتى أتيته، فقال مالي ولابن أم السائب ومالي، قلت: وما ذاك قال: والله ما هو إلا نمت، فباتت ملائكة تسحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان ناراً يقولون: لنكوينك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين، فخذهما عني لا أبا لك فالحق بهما فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم، قال: فخرجت بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة، وغشيني التجار، فابتاعهما مني عمرو بن حريث بألفي ألف درهم، ثم خرج بهما إلى أرض العجم فباعهما بأربعة آلاف ألف، فما زال أكثر أهل الكوفة مالاً.
22

(3/227)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 228
وفيها سار عمرو بن العاص إلى برقة فافتتحها، وصالهم على ثلاثة عشر ألف دينار. وفيها صالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس على أنطاكية وقلقية، وغير ذلك.
22

(3/228)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 229
2 (الوفيات)
ت ن ق وأبو هاشم من مسلمة الفتح حسن إسلامه، وله حديث في سنن النسائي وغيرها. روى عنه أبو هريرة، وسمرة بن سهم. وهو خال معاوية. شهد فتوح الشام. وفيها توفي طليحة بن خويلد بن نوفل الأسدي.
23

(3/229)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 230
أسلم سنة تسع، ثم ارتد وتنبأ بنجد وحارب المسلمين، ثم انهزم ولحق بنواحي دمشق عند آل جفنة، فلما توفي الصديق ثاب وخرج محرماً بالحج، فلما رآه عمر قال: يا طليحة لا أحبك بعد قتل عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم. فقال: يا أمير المؤمنين رجلين أكرمهما الله بيدي ولم يهني بأيديهما. ثم حسن إسلامه وشهد القادسية، وكتب عمر إلى سعد أن شاور طليحة في أمر الحرب ولا توله شيئاً. وقال ابن سعد: كان طليحة يعد بألف فارس لشجاعته وشدته. وقال غيره: استشهد طليحة بنهاوند. خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القشي المخزومي أبو
23

(3/230)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 231
23

(3/231)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 232
سليمان المكي، سيف الله، كذا لقبه النبي صلى الله عليه وسلم. وأمه لبابة أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين. شهد غزوة مؤتة وما بعدها. وله أحاديث، روى عنه: ابن عباس، وقيس بن أبي حازم، وجبير بن نفير، وأبو وائل، وجماعة. وكان بطلاً شجاعاً ميمون النقيبة، باشر حروباً كثيرة، ومات على فراشه وهو ابن ستين سنة، ولم يكن في جسده نحو شبر إلا وعليه طابع الشهداء. وقال جويرية بن أسماء: لما استخلف عمر كتب إلى أبي عبيدة: إني قد وليتك وعزلت خالداً. قال خليفة: فولى أبو عبيدة لما افتتح الشام خالداً على دمشق. وقال أبو عبيد، وإبراهيم بن المنذر، وجماعة: إنه توفي سنة إحدى وعشرين بحمص. وقال دحيم وحده: مات بالمدينة. مناقب خالد كثيرة ساقها ابن عساكر، من أصحها ما رواه ابن أبي
23

(3/232)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 233
خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت خالد بن الوليد أتي بسم فقال: ما هذا قالوا: سم، فقال: باسم الله وشربه.) وروى يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: قالوا لخالد: احذر الأعاجم لا يسوقونك السم، فقال: ائتوني به، فأتى به، فاقتحمه وقال: باسم الله فلم يضره شيئاً. وقال الأعمش، عن خيثمة قال: أتى خالداً رجل معه زق أحمر، فقال: اللهم اجعله خلاً، فصار خلاً. جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن أنس ابن عباس قال: وقع بين خالد بن الوليد وعمار كلام، فقال عمار: لقد هممت أن لا أكلمك أبداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا خالد مالك ولعمار، رجل من أهل الجنة قد شهد بدراً. وقال يا عمار إن خالداً سيف من سيوف الله على الكفار. قال خالد: فما زلت أحب عماراً من يومئذ. سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل قال: بلغ عمر أن نسوة من نساء بني المغيرة قد اجتمعن في دار يبكين على خالد بن الوليد، فقال عمر: ما عليهن أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة.
23

(3/233)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 234
وحشي بن حرب بن وحشي، عن أبيه، عن جده أن أبا بكر عقد لخالد وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله على الكفار والمنافقين. رواه أحمد في مسنده.
23

(3/234)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 235
العلاء بن الحضرمي واسم الحضرمي عبد الله بن عباد بن أكبر بن ربيعة بن مقنع بن حضرموت، حليفة بني أمية، وإلى أخيه تنسب بئر ميمون التي بأعلى مكة، احتفرها في الجاهلية ميمون بن الحضرمي، ولهما أخوان: عمرو، وعامر.
23

(3/235)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 236
وكان العلاء من فضلاء الصحابة، ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أبو بكر وعمر البحرين، وقيل: إن عمر ولاه البصرة فمات قبل أن يصل إليها، واستعمل عمر بعد العلاء أبا هريرة على البحرين. له عن النبي صلى الله عليه وسلم مكث المهاجر بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثاً. روى عنه السائب أبو يزيد، وحيان الأعرج، وزياد بن حدير. وقال منصور بن راذان، عن ابن سيرين عن ابن العلاء إن العلاء بن الحضرمي كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بنفسه. وقال محمد بن إسحاق: كان الحضرمي حليف حرب بن أمية. وقيل له الحضرمي لأنه جاء) من بلاد حضرموت. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: بعث أبو بكر
23

(3/236)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 237
الصديق العلاء في جيش قبل البحرين، وكانوا قد ارتدوا، فسار إليهم وبينه وبينهم عرض البحر حتى مشوا فيه بأرجلهم، وقطعوا كذلك في مكان كانت تجري فيه السفن، وهي اليوم تجري فيه، فقاتلهم وأظهره الله عليهم وسلموا ما منعوا من الزكاة. أخبرنا إسحاق بن أبي بكر، أنا يوسف بن خليل، أنا محمد بن أبي زيد، أنا محمود، أنا ابن فاذشاه، ثنا سليمان الطبراني، ثنا الحسين بن أحمد بسطام، ثنا إسماعيل بن إبراهيم صاحب الهروي، ثنا أبي، عن أبي كعب صاحب الحرير، عن الجريري، عن أبي السليل، عن أبي هريرة قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى البحرين تبعته فرأيت منه ثلاث خصال لا أدري أيتهن أعجب: انتهينا إلى شاطئ البحر فقال: سموا واقتحموا فسمينا واقتحمنا، فعبرنا فما بل الماء إلا أسفل خفاف إبلنا، فلما قفلنا صرنا بعد بفلاة من الأرض، وليس معنا ماء، فشكونا إليه، فصلى ركعتين، ثم دعا فإذا سحابة مثل الترس، ثم أرخت عزاليها فسقينا واستقينا. ومات بعدما بعثه أبو بكر إلى البحرين لما ارتدت ربيعة، فأظفره الله بهم، وأعطوا ما منعوا من الزكاة ومات دفناه في الرمل فلما سرنا غير بعيد قلنا يجيء سبع فيأكله، فرجعنا فلم نره. روى نحوه
23

(3/237)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 238
مجالد بن سعيد، عن الشعبي مرسلاً بأطول منه. مجالد، عن الشعبي أن عمر كتب إلى العلاء بن الحضرمي وهو بالبحرين أن سر إلى عتبة بن غزوان فقد وليتك عمله، إني ظننت أنك أغنى عن المسلمين منه، فمات العلاء قبل أن يصل إلى البصرة. كذا هذا عن أبي هريرة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البحرين مع العلاء بن الحضرمي، وكنت أؤذن له. وعن المسور بن مخرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، ثم عزله بأبان بن سعيد. وذكر ابن سعد أن أبا بكر استعمل العلاء على سرية فسبى وغنم. الجارود العبدي سيد عبد القيس. هو أبو عتاب، وقيل: أبو
23

(3/238)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 239
غياث، وقيل: أبو المنذر، الجارود) بن المعلى، وقيل: اسمه بشر بن حنش. ولقب جاروداً لكونه أغار على بكر بن وائل فأصابهم وجردهم. وفد في عهد القيس سنة عشر من الهجرة وكانوا نصارى فأسلم الجارود، وفرح النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه وأكرمه. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث. روى عنه عبد الله بن عمرو بن العاص، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وزيد بن علي القموصي، وأبو مسلم الجذمي، وغيرهم. اختط بالبصرة. وقتل شهيداً ببلاد فارس سنة إحدى وعشرين، وقيل: قتل مع النعمان بن مقرن. ع النعمان بن مقرن المزني أبو عمرو، ويقال: أبو حكيم.
24

(3/239)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 240
من سادة الصحابة، كان معه لواء مزينة يوم الفتح. روى عنه ابنه معاوية، ومعقل بن يسار، ومسلم بن الهيصم، وجبير بن حية الثقفي. وكان أمير الجيش يوم فتح نهاوند فاستشهد يومئذ، ونعاه عمر على المنبر وبكى.
24

(3/240)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 241
(أحداث سنة اثنتين وعشرين)

2 (فتح أذربيجان)
على يد المغيرة بن شعبة. قاله ابن إسحاق، فيقال إنه صالحهم على ثمانمائة ألف درهم. وقال أبو عبيدة: افتتحها حبيب بن مسلمة الفهري بأهل الشام عنوة ومعه أهل الكوفة، وفيهم حذيفة، فافتتحها بعد قتال شديد. فالله تعالى أعلم.
2 (فتح الدينور)
وفيها غزا حذيفة مدينة الدينور عنوة، وقد كانت فتحت لسعد ثم انتقضت. ثم غزا حذيفة ما سبذان فافتتحها عنوة، على خلف في ماه، وقيل: افتتحها سعد فانتقضوا.
24

(3/241)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 242
وقال طارق بن شهاب: غزا أهل البصرة ماه فأمدهم أهل الكوفة، عليهم عمار بن ياسر، فأرادوا أن يشركوا في الغنائم، فأبى أهل البصرة، ثم كتب إليهم عمر: الغنيمة لمن شهد الوقعة.
2 (فتح همذان)
وقال أبو عبيدة: ثم غزا حذيفة همذان، فافتتحها عنوة ولم تكن فتحت. وإليها انتهى فتوح حذيفة، وكل هذا في سنة اثنتين وعشرين. قال: ويقال همذان افتتحها المغيرة بن شعبة سنة أربع وعشرين، ويقال: افتتحها جرير بن عبد الله بأمر المغيرة. وقال خليفة بن خياط: فيها افتتح عمرو بن العاص أطرابلس المغرب، ويقال في السنة التي بعدها. وفيها عزل عمار عن الكوفة، وفيها افتتحت جرجان، وفيها فتح سويد بن مقرن الري، ثم عسكر وسار إلى قومس فافتتحها.
2 (الوفيات)
وفيها توفي: أبي كعب، في قول الواقدي، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن يحيى الذهلي، والترمذي، وقد مر سنة تسع عشرة.
24

(3/242)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 243
معضد بن يزيد الشيباني استشهد بأذربيجان، ولا صحبة له.
2 (بقية حوادث السنة)
وولد فيها يزيد بن معاوية وقال محمد بن جرير: إن عمر أقر على با الفرج عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي وأمره بغزو الترك، فسار بالناس حتى قطع الباب، فقال له شهريران: ما ترد أن تصنع قال: أناجزهم في ديارهم، وبالله إن معي لأقواماً لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم السند. ولما دخل عبد الرحمن على الترك حال الله بينهم وبين الخروج عليه وقالوا: ما اجترأ على هذا الأمر إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت، ثم هروا وتحصنوا، فرجع بالظفر والغنيمة، ثم إنه غزاهم مرتين في خلافة عثمان فيسلم ويغنم، ثم قاتلهم فاستشهد أعني عبد الرحمن بن ربيعة فأخذ أخوه سلمان ن ربيعة الراية، وتحيز بالناس، قال: فهم يعني الترك يستسقوه بجسد عبد الرحمن حتى الآن.
2 (خبر السند)
الوليد: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، أخبرني رجلان، عن أبي بكرة الثقفي، أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قد رأيت السد، قال: كيف
24

(3/243)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 244
رأيته؟ قال: رأيته كالبرد المحبر. رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مرسلاً، وزاد: طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: قد رأته. قلت: يريد حمرة النحاس وسواد الحديد. سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، يروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم، حتى إذا كادوا أن يروا شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيعيده الله كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم حفروا، حتى إذا كادوا أن يروا الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غداً، فيعودون إليه كهيئته حين تركوه فيحفرونه، فيخرجون على الناس، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع فيها كهيئة الدماء، فيقولون: قهرنا أهل) الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله نغفاً فيقتلهم بها. وذكر ابن جرير في تاريخه من حديث عمرو بن معد يكرب عن مطر بن ثلج التميمي قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهريران عنده، فأقبل رجل عليه شحوبة حتى دخل على عبد الرحمن
24

(3/244)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 245
فجلس إلى شهريران، وكان على مطر قباء برد يمني أرضه حمراء ووشيه وأسود. فتسائلا، ثم إن شهريران قال: أيها الأمير أتدري من أين جاء هذا الرجل هذا رجل بعثته نحو السد منذ سنتين ينظر ما حاله ومن دونه، وزودته مالاً عظيماً، وكتبت له إلى من يليني وأهديت له، وسألته أن يكتب له إلى ما وراءه، وزودته لكل ملك هدية، ففعل ذلك بكل ملك بينه وبينه، حتى انتهى إلى الملك الذي السد في ظهره، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد فأتاه، فبعث معه بازيلره ومعه عقابه وأعطاه حريرة، قال: فلما انتهينا إذا جبلان، بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين، وإن دون السد خندقاً أشد سواداً من الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك كله وتفرست فيه، ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي البازار على رسلك أكافئك إنه لا يلي ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمي به هذا اللهب، قال: فشرح بضعة لحم معه وألقاها في ذلك الهواء، وانقضت عليها العاب، وقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء، فخرج عليه العقاب باللحم في مخاليبه، فإذا قد لصق فيه ياقوتة فأعطانيها وها هي ذه، فتناولها شهريران فرآها حمراء، فتناولها عبد الرحمن ثم ردها، فقال شهريران: إن هذه لخير من هذا يعني الباب وايم الله لأنتم أحب إلي ملكة من آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني، وايم الله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم أوفى ملككم الأكبر.
24

(3/245)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 246
فأقبل عبد الرحمن على الرسول وقال: ما حال السد وما شبهه فقال: مثل هذا الثوب الذي على مطر، فقال مطر: صدق والله الرجل لقد بعد ورأى ووصف صفة الحديد والصفر. فقال عبد الرحمن لشهريران: كم كانت قيمة هاتيك قال: مائة ألف في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألف في تلك البلدان. وحدث الترجمان قال: لما رأى الواثق بالله كأن السد الذي بناه ذو القرنين قد فتح وجهني وقال لي: عاينه وجئني بخبره، وضم إلي خمسين رجلاً، وزودنا، وأعطانا مائتي بغل تحمل الزاد، فشخصنا من سامراء بكتابه إلى إسحاق وهو بتفليس، فكتب لنا إسحاق إلى صاحب السرير، وكتب لنا صاحب السرير إلى ملك اللان، وكتب لنا ملك اللان إلى فيلانشاه، وكتب لنا ملك) الخزر، فوجه معنا خمسة أدلاء، فسرنا من عنده ستة وعشرين يوماً، ثم صرنا إلى أرض سوداء منتنة، فكنا نشتم الخل، فسرنا فيها عشرة أيام، ثم صرنا إلى مدائن خراب ليس فيها أحد، فسرنا فيها سبعة وعشرين يوماً، فسألنا الأدلاء عن تلك المدن فقالوا: هي التي كان يأجوج ومأجوج يطرقونها فأخربوها. ثم صرنا إلى حصون عند السد
24

(3/246)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 247
بها قوم يتكلمون بالعربية والفارسية، مسلمون يقرءون القرآن، لهم مساجد وكتاتيب، فسألونا، فقال: نحن رسل أمير المؤمنين، فأقبلوا يتعجبون ويقولون: أمير المؤمنين فتقول: نعم، فقالوا: شيخ هو أم شاب قلنا: شاب، فقالوا: أين يكون فقلنا: بالعراق بمدينة يقال لها سر من رأى، فقالوا: ما سمعنا بهذا قط. ثم صرنا إلى جبل أملس ليس عليه خضراء، وإذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة ذراع، فرأينا عضادتين مبنيتين مما يلي الجبل من جنبتي الوادي عرض كل عضادة خمسة وعشرون ذراعاً، الظاهر من تحتها عشرة أذرع خارج الباب، وكله بناء بلبن من حديد في نحاس في سمك خمسين ذراعاً، قد ركب على العضادتين على كل واحدة بمقدار عشرة أذرع في عرض خمسة، وفوق الدروند بناء بذلك اللبن الحديد إلى رأس الجبل، وارتفاعه مد البصر، وفوق ذلك شرف حديد لها قرنان يلج كل واحد منهما إلى صاحبه، وإذا باب حديد له مصراعان مغلقان عرضهما مائة ذراع في طول مائة ذراع في ثخانة خمسة أذرع. وعليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع، وفوقه بنحو قامتين غلق طوله أكثر من طول القفل، وقفيزاه كل واحد منهما ذراعان، وعلى الغلق مفتاح معلق طوله ذراع ونصف، في سلسلة طولها ثمانية أذرع، وهي في حلقة كحلقة المنجنيق.
24

(3/247)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 248
ورئيس تلك الحصون يركب كل جمعة في عشرة فوارس، مع كل فارس مرزبة من حديد فيضربون القفل بتلك المرازب ثلاث ضربات، يسمع من وراء الباب الضرب فيعلمون أن هناك حفظة، ويعلم هؤلاء أن أولئك لم يحدثوا في الباب حدثاً، وإذا ضربوا القفل وضعوا آذانهم يستمعون، فسمعوا دوياً كالرعد. وبالقرب من هذا الموضع حصن كبير، ومع الباب حصنان يكون مقدار كل واحد منهما مائتي ذراع، في مائتي ذراع، وعلى باب كل حصن شجرة، وبين الحصنين عين عذبة، وفي أحد الحصنين آلة بناء السد من قدور ومغارف وفضلة اللبن قد التصق بعضه ببعض من الصدأ،) وطول اللبنة ذراع ونصف في مثله في سمك شبر. فسألنا أهل الموضع هل رأوا أحداً من يأجوج ومأجوج، فذكروا أنهم رأوا مرة أعداداً منهم فوق الشرف، فهبت ريح سوداء فألقتهم إلى جانبهم، وكان مقدار الرجل منهم شبراً ونصف، فلما انصرفنا أخذ بنا الأدلاء، إلى ناحية خراسان، فسرنا إليها حتى خرجنا خلف سمرقند بتسعة فراسخ، وكان أصحاب الحصون زودونا ما كفانا. ثم صرنا إلى عبد الله بن طاهر. قال سلام الترجمان: فأخبرته خبرنا، فوصلني بمائة ألف درهم، ووصل كل رجل معي بخمسمائة درهم، ووصلنا إلى سر من رأى بعد خروجنا منها بثمانية وعشرين شهراً. قال مصنف كتاب المسالك والممالك: هكذا أملى علي سلام الترجمان.
24

(3/248)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 249
(أحداث سنة ثلاث وعشرين)
فيها: بينما عمر رضي الله عنه يخطب إذ قال: يا سارية الجبل، وكان عمر قد بعث سارية بن زنيم الدئلي إلى فسا ودارا بجرد فحاصرهم، ثم أنهم تداعوا وجاؤوه من كل ناحية والتقوا بمكان، وكان إلى جهة المسلمين جبل لو استندوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فلجئوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم. وأصاب سارية الغنائم فكان منها فسط جوهر، فبعث به إلى عمر فرده وأمره أن يقسمه بين المسلمين، وسأل النجاب أهل المدينة عن الفتح وهل سمعوا شيئاً، فقال: نعم يا سارية الجبل الجبل وقد كدنا نهلك، فلجأنا إلى الجبل، فكان النصر. ويروى أن عمر سئل فيما بعد عن كلامه يا سارية الجبل فلم يذكره.
25

(3/249)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 250
وفيما كان فتح كرمان، وكان أميرها سهيل بن عدي. وفيها فتحت سجستان، وأميرها عاصم بن عمرو. وفيها فتحت مكران، وأميرها الحكم بن عثمان، وهي من بلاد الجبل. وفيها رجع أبو موسى الأشعري من أصبهان، وقد افتتح بلادها. وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمورية.
25

(3/250)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 251
2 (الوفيات)
قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن كعب واسمه ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، أبو عمر الأنصاري
25

(3/251)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 252
الظفري، أخو أبي سعيد الخدري لأمه، وقتادة الأكبر. شهد بدراً وأصيبت عينه ووقعت على خده يوم أحد، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فغمز) حدقته وردها إلى موضعها، فكانت أصح عينيه. وكان على مقدمة عمر في مقدمة الشام، وكان من الرماة المذكورين. وله أحاديث، روى عنه أخوه أبو سعيد، وابنه عمر بن قتادة،
25

(3/252)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 253
ومحمود بن لبيد، وغيرهم. وعاش خمساً وستين سنة. توفي فيها على الصحيح، ونزل عمر في قبره، وقيل توفي في التي قبلها. عمر رضي الله عنه ابن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي. أمير المؤمنين أبو حفص القرشي العدوي، الفاروق.. استشهد في أواخر ذي الحجة. وأمه حنتمة بنت هشام المخزومية أخت أبي جهل. أسلم في السنة السادسة من النبوة وله سبع وعشرون سنة. روى عنه علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة، وعدة من
25

(3/253)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 254
الصحابة، وعلقمة بن وقاص، وقيس بن حازم، وطارق بن شهاب، ومولاه أسلم، وزر بن حبيش، وخلق سواهم. وعن عبد الله بن عمر قال: كان أبي أبيض تعلوه حمرة، طوالاً أصلع، أشيب. وقال غيره: كان أمهق طوالاً، آدم، أعسر يسر. وقال أو رجاء العطاردي: كان طويلاً جسيماً شديد الصلع، شديد الحمرة، في عارضيه خفة. وسيلته كبيرة وفي أطرافها صهبة، إذا حزبه أمر فتلها. وقال سماك بن حرب: كان عمر أروح كأنه راكب والناس يمششون، كأنه من رجال بني سدوس. والأروح: الذي يتدانى قدماه إذا مشى.
25

(3/254)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 255
وقال أنس: كان ييخضب بالحناء. وقال سماك: كان عمر يسرع في مشيته. ويروى عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كان عمر يأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى ويثب على فرسه فكأنما خلق على ظهره. وعن ان عمر وغيره من وجوه جيدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب. وقد ذكرنا إسلامه في الترجمة النبوية.) وقال عكرمة: لم يزل الإسلام في اختفاء حتى أسلم عمر. وقال سعيد بن جبير: وصالح المؤمنين نزلت في عمر خاصة. وقال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.
25

(3/255)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 256
وقال شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أبو بكر وعمر: إن الناس يزيدهم حرصاً على الإسلام أن يروا عليك زياً حسناً من الدنيا. فقال: أفعل، ويم الله لو أنكما تتفقان لي على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبدة. وقال ليث بن أبو سلم، عم مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض، فوزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل، ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر، وروى نحوه من وجهين عن أبي سعيد الخدري. قال الترمذي في حديث أبي سعد: حديث حسن. قلت: وكذلك حديث ابن عباس حسن. وعن محمد بن ثابت البناني، عن أبيه، عن أنس نحوه. وفي مسند أبي يعلى من حديث أبي ذر يرفعه: إن لكل نبي وزيرين، ووزيراي أو بكر وعمر. وعن أبي سلمة، عن أبي أروى الدوسي قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلع أبو بكر وعمر فقال: الحمد لله الذي أيدني بكما. تفرد به عاصم ابن عمر، وهو ضعيف.
25

(3/256)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 257
وقد مر في ترجمة الصديق أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أبي بكر وعمر مقبلين فقال: هذان سيدا كهول أهل الجنة الحديث. وروى الترمذي من حديث ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم فدخل المسجد، وأبو بكر وعمر معه وهو آخذ بأيديهما فقال: هكذا نبعث يوم القيامة. إسناده ضعيف. وقال زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر. ورواه سالم أبو العلاء وهو ضعيف) عن عمرو بن هرم، عن ربعي، وحديث زائدة حسن. وروى عبد العزيز بن المطلب بن حنطب، عن أبيه، عن جده قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلع أبو بكر وعمر فقال: هذان السمع والبصر ويروي نحوه من حديث ان عمر وغيره. وقال يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقرئ عمر السلام وأخبره أن غضبه
25

(3/257)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 258
عز وجل ورضاه حكم. والمرسل أصح، وعضهم يصله عن ابن عباس. وقال محمد بن سعد ن أبي وقاص، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إها يا ابن الخطاب فوالذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك. وعن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:: إن الشيطان يفرق من عمر.
25

(3/258)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 259
رواه مبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة. وعنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في زفن الحبشة لما أتى عمر: إني لأنظر شيطانين الجن والإنس ققد فروا من عمر. صححه الترمذي. وقال حسين بن واقد: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه أن أمةً سوداء أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رجع من غزاة، فقالت: إني نذرت إن ردك الله صالحاً أن أضرب عندك بالدف، قال: إن كنت نذرت فافعلي فضرت، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عمر فجعلت دفها خلفها وهي مقنعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليفرق منك يا عمر. وقال يحيى بن يمان، عن الثوري، عن عمر بن محمد، عن سالم بن عبد الله قال: أبطأ عمر على أبي موسى الأشعري، فأتى امرأة في بطنها شيطان فسألها عنه فقالت: حتى يجيء شيطاني، فجاء فسألته عنه فقال: تركته مؤتزراً وذاك رجل لا يراه شيطان إلا خر لمنخريه، الملك بين عينيه وروح الدس ينطق بلسانه.
26

(3/259)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 260
وقال زر: كان ابن مسعود يخطب ويقول: إني لأحسب الشيطان يفرق من عمر أن يحدث حدثاً فيرده، وإني لأحسب عمر بين عينيه ملك يسدده ويقومه. وقالت عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كان في الأمم محدثون فإن كن في أمتي) أحد فعمر بن الخطاب:. رواه مسلم. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله وضع الحق على لسان عمر وقلبه. رواه جماعة عن نافع، عنه، وروي نحوه عن جماعة من الصحابة. وقال الشعب: قال علي رضي الله عنه: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر.
26

(3/260)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 261
وقال أنس: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: ف مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي قوله عسى ربه إن طلقكن. وقال حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن مشرح، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: لو كان بعدي نبي لكان عمر. وجاء من وجهين مختلفين عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى باهى بأهل عرفة عامة وباهى بعمر خاصة. ويروى مثله عن ان عمر، وعقبة بن عامر. وقال معن القزاز: ثنا الحارث بن عبد الملك الليثي، عن القاسم بن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس، عن أخيه الفضل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحق بعدي مع عمر حيث كان. وقال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بينما أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر قالوا: فما أولت ذلك قال: العلم.
26

(3/261)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 262
وقال أبو سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومر علي عمر عليه قميص يجره، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله قال: الدين. وقال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرحم أمتيي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر. وقال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخلت الجنة فرأيت قصراً من ذهب فقلت: لمن هذا قيل: لشاب من قريش، فظننت أني أنا هو، فقيل: لعمر بن الخطاب. وفي الصحيح أيضاً من حديث جابر مثله. وقال أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا ارأة) تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر قالوا: لعمر، فذكرت
26

(3/262)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 263
غيره عمر، فوليت مدبراً. قال فبكى عمر وقال: بأبي أنت يا رسول الله أعليك أغار. وقال الشعبي وغيره: قال علي رضي الله عنه: بينا أنا مع رسول الله، إذ طلع أيو بكر وعمر فقال: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين لا تخبرهما يا علي. هذا الحديث سمعه الشعبي من الحارث الأعور، وله طرق حسنة عن علي منها عاصم، عن زر. وأبو إسحاق، عن عاصم بن ضمرة. قال الحافظ ابن عساكر: والحديث محفوظ عن علي رضي الله عنه. قلت: وروي نحوه من حديث أبي هريرة، وابن عمر، وأنس، وجابر. وقال مجاهد عن أبي الوداك، وقاله عن عطية، كلاهما عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن أهل الدرجات العلا ليرون من فوقهم كما ترون الكواكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما.
26

(3/263)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 264
وعن اسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وعن يمينه أبو بكر وعن يساره عمر فقال:: هكذا نبعث يوم القيامة. تفرد به سعيد ن مسلمة الأموي وهو ضعيف عن إسماعيل. وقال علي رضي الله عنه بالكوفة على منبرها في ملأ من الناس أيام خلافته: خير هذه الأمة بعد نيها أبو بكر، وخيرها بعد أبي بكر عمر، ولو شئت أن أسمي الالث لسمته. وهذا متواتر عن علي رض الله عنه، فقبح الله الرافضة. وقال الثوري، عن أبي هاشم القاسم بن كثير، عن قيس الخارفي سمعت علياً يقول: سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى أبو بكر، وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة فكان ما شاء الله. ورواه شريك، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن علي مثله. وقال ابن عتبة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر. وكذا رواه سفيان بن حسين الواسطي عن عبد الملك، وكان سفيان
26

(3/264)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 265
ربما دلسه وأسقط منه زائدة، ورواه سفيان الثوري، عن عبد الملك، عن هلال مولى ربعي عن ربعي. وقالت عائشة: دخل ناس على أبي بكر في مرضه فقالوا: يسعك أن تولي علينا عمر وأنت) ذاهب إلى ربك فماذا تقول له قال: أقول: وليت عليهم خيرهم. وقال الزهري: أول من حيا عمر بأمير المؤمنين المغيرة بن شعبة. وقال القاسم بن محمد: قال عمر: ليعلم من ولي هذا الأمر من بعدي أن سير يده عنه القريب والبعيد، إني لأقاتل الناس عن نفسي قتالاً، ولو علمت أن أحداً أقوى عليه مني لكنت أن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أليه. وعن ابن عباس قال: لما ولي عمر قيل له: لقد كاد بعض الناس أن يجيدا هذا الأمر عنك، قال: وما ذاك قال: يزعمون أنك فظ غليظ، قال: الحمد لله الذي ملأ قلبي لهم رحماً وملأ قلوبهم لي رعباً.
26

(3/265)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 266
وقال الأحنف بن قيس: سمعت عمر يقول: لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين: حلة للشتاء وحلة للصيف، وما حج ببه واعتمر، وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم، ثم أنا رجل من المسلمين. وقال عروة: حج عمر بالناس إمارته كلها. وقال ابن عمر: ما رأيت أحداً قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حين قبض أجد ولا أجود من عمر. وقال الزهري: فتح الله الشام كله على عمر، والجزيرة ومصر والعراق كله، ودون الدواوين قبل أن يموت بعام، وقسم على الناس فيئهم. وقال: عاصم بن أبي النجود، عن رجل من الأنصار، عن خزيمة ابن ثابت: إن عمر كان إذا استعمل عاملاً كتب له واشترط عليه أن لا يركب برذوناً، ولا يأكل نقياً، ولا يلبس رقيقاً، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل فقد حلت عليه العقوبة. وقال طارق بن شهاب: إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فكذبه الكذبة فيقول: احبس هذه، ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه، فيقول له: كل ما حدثتك حق إلا أمرتني أن أحبسه.
26

(3/266)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 267
وقال ابن مسعود: إذا ذكر الصالحون فجيهلاً بعمر، إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله. وقال ابن مسعود: لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم.) وقال شمر عن حذيفة قال: كان علم الناس مدسوساً في جحر مع عمر. وقال ان عمر: تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما تعلمها نحر جزوراً. وقال العوام بن حوشب: قال معاوية: أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهراً لبطن. وقال عكرمة بن خالد وغيره: إن حفصة، وعبد الله، وغيرهما كلموا عمر فقالوا: لو أكلت طعاماً طيباً كان أقوى لك على الحق، قال: أكلكم على هذا الرأي قالوا: نعم، قال: قد علمت نصحكم ولكني تركت صاحبي على جادة فإن تركت جادتها لم أدركها في المنزل. قال: وأصاب الناس سنة فما أكل عامئذ سمناً ولا سميناً.
26

(3/267)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 268
وقال ان ملكة: كلم عتبة ن فرقد عمر في طعامه، فقال: ويحك آكل طيباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها وقال مبارك، عن الحسن: دخل عمر على تبنه عاصم وهو يأكل لحماً فقال: ما هذا قال: قرمنا إليه:، قال: أوكلما قرمت لإلى شيء أكلته كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كل ما اشتهى. وقال عبد الرحمن بن زد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، قال عمر: لقد خطر على قلبي شهوة السمك الطري، قال ورحل يرفأ راحلته وسار أربعاً مقبلاً ومدبراً، واشترى مكتلاً فجاء به، وعمد إلى الراحلة فغسلها، فأتى عمر فقال: انطلق حتى أنظر إلى الراحلة، فنظر وقال: نسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنها، عذبت بهيمة ف شهوة عمر، لا والله لا يذوق عمر مكتلك. وقال قتادة: كان عمر يلبس، وهو خليفة، جبة من صوف مرقوعاً بعضها بأدم، ويطوف في الأسواق على عاتقه الدرة يؤدب الناس بها، ويمر بالنكث والنوى فيلقطه ويلقيه في منازل الناس لينتفعوا به. قال أنس: رأت بين كفي عمر أربع رقاع في قميصه.
26

(3/268)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 269
وقال أبو عثمان النهدي: رأيت على عمر إزاراً مرقوعاً بأدم. وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: حججت مع عمر، فما ضرب فسطاطاً ولا خباء، كان يلقي الكساء والنطع على الشجرة ويستظل تحته. وقال عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن أبي الغادية الشامي قال: قدم عمر للجابية على جمل) أروق تلوح صلعته للشمس، ليس عله قلنسوة ولا عمامة، قد طبق رجليه بين شعبتي الرحل بلا ركاب، ووطاؤه كساء أنبجاني من صوف وهو فراشه إذ نزل، وحقيبته محشوة ليفاً، وهي إذا نزل وسادة، وعليه قميص من كرابيس قد دسم وتخرق جيبه، فقال: ادعوا لي رأس القرية، فدعوه له فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني قميصاً، فأتى بقميص كتان فقال: ما هذا قيل: كتان، قال: وما الكتان فأخبروه فنزع قميصه فغسلوه ورقعوه ولبسه، فقال له رأس القرية: أنت ملك العرب وهذه بلاد لا تصلح فيها الإبل. فأتى ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل، فلما سار هنيهة قال: احبسوا، ما كنت أظن الناس يركبون الشيطان، هاتوا جملي. وقال المطلب بن زياد، عن عبد الله بن عيسى: كان في وجه عمر بن
27

(3/269)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 270
الخطاب خطان أسودان من البكاء. وعن الحسن قال: كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد منها أياماً. وقال أنس: خرجت مع عمر فدخل حائطاً فسمعته يقول وبني زبينه جداراً: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين والله لتتقين الله بني الخطاب أو ليعذبنك. وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني هذه التبنة، ليتني لم أك شيئاً، ليت أمي لم تلدني. وقال عبيد الله بن عمر بن حفص: إن عمر بن الخطاب حمل قربة على عنقه، فقيل له في ذلك فقال: إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها. وقال الصلت بن بهرام، عن جميع بن عمير التيمي، عن ابن عمر قال: شهدت جلولاء فاتبعت من المغنم بأربعين ألفاً، فلما قدمت على عمر قال: أرأيت لو عرضت على النار فقيل لك: افتده، أكنت مفتدي به قلت: والله ما من شيء يؤذيك إلا كنت مفتديك منه، قال: كأني شاهد الناس حين تبايعوا فقالوا: عبد الله بن عمر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أمير المؤمنين وأحب الناس إليه، وأنت كذلك فكان أن يرخصوا عليك أحب إليهم من أن يغلوا عليك، وإني قاسم مسئول وأنا معطيك أكثر ما ربح تاجر من
27

(3/270)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 271
قريش، لك ربح درهم، قال: ثم دعا التجار فابتاعوه منه بأربعمائة ألف درهم، فدفع إلي ثمانين ألفاً وبعث بالباقي إلى سعد بن أبي وقاص ليقسمه.) وقال الحسن: رأى عمر جارية تطيش هزالاً فقال: من هذه فقال عبد الله: هذه إحدى بناتك. قال: وأي بناتي هذه قال: بنتي، قال: ما بلغ بها ما أرى قال عملك لا تنفق عليها، قال: إني والله ما أعول ولدك فاسع عليهم أيها الرجل. وقال محمد بن سيرين: قدم صهر لعمر عليه فطلب أن يعطيه عمر من بيت المال فانتهره عمر وقال: أردت أن ألقى الله ملكاً خاءناً فلما كان بعد ذلك أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم. قال حذيفة: والله ما أعرف رجلاً لا تأخذه في الله لومة لائم إلا عمر. وقال الحذيفة: كنا جلوساً عند عمر فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فق الفتنة قلت: أنا. قال: إنك لجريء، قلت: فتنة الرجل في أهل وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: ليس عنها أسألك ولكن الفتنة التي تموج موج البحر، قلت: ليس عليك منها بأس إن بينك وبينها باباً مغلقاً، قال: أيكسر أم يفتح قلت: بل يكسر، قال: إذاً لا يغلق أبداً، قلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم من الباب قال: نعم كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط،
27

(3/271)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 272
فسأله مسروق: من الباب قال: الباب عمر. أخرجه البخاري. وقال إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أتى عمر بكنوز كسرى، فقال عبد الله بن الأررقم: أتجعلها في بيت المال حتى تقسمها فقال عمر: لا والله لا آويها إلى سقف حتى أمضيها، فوضعها في وسط المسجد وباتوا يحرسونها، فلما أصبح كشف عنها فرأى من الحمراء والبيضاء ما يكاد يتلألأ، فبكى فقال له أبي: ما يبكيك يا أمير المؤمنين فوالله إن هذا اليوم شكر ويوم سرور فقال: ويحك إن هذا لم يعطه قوم إلا ألقيت بينهم العداوة والبغضاء. وقال أسلم مولى عمر: استعمل عمر مولي له على الحمى فقال: يا هني اضمم جناحك عن المسلمين واتق دعوة المظلوم فإنها مستجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان فإنهما إن تهلك ما شيتهما يرجعان إلى زرع ونخل، وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنية فيقول: يا أمير المؤمنين أفتاركهم أنا لا أبالك فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والفضة، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في) سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً. أخرجه البخاري. وقال أبو هريرة: دون عمر الديوان، وفرض للمهاجرين الأولين خمسة
27

(3/272)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 273
آلاف خمسة آلاف، وللأنصار أربعة آلاف أربعة آلاف، ولأمهات المؤمنين اثني عشر ألفاً اثني عشر ألفاً. وقال لإبراهيم النخعي: كان عمر يتجر وهو خليفة. وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدار قال: أصاب الناس قحط في زمان عمر، فجاء رجل إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يل رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقال: ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبره أنهم مسقون وقل له: عليك الكيس الكيس، فأتى الرجل فأخبر عمر فبكى وقال: يا رب ما آلو ما عجزت عنه. وقال أنس: تقرقر بطن عمر من أكل الزيت عام الرمادة، كان قد حرم نفسه السمن، قال: فنقر بطنه بإصبعه وقال: إنه ليس لك عندنا غيره حتى يحيا الناس. وقال الواقدي: ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: لما كان عام الرمادة جاءت العرب يقومون بمصالحهم، فسمعته يقول ليلة: أحصوا الرجال عندنا فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل، وأحصوا الرجال المرضى والعيالات فكانوا أربعين ألفاً. ثم بعد أيام بلغ الرجال والعيال ستين ألفاً، فما برحوا حتى أرسل الله السماء، فلما مطرت رأيت عمر قد وكل بهم من يخرجونهم إلى البادية ويعطونهم قوتاً وحملاناً إلى باديتهم، وكان قد
27

(3/273)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 274
وقع فيهم الموت فأراه مات ثلثاهم، وكانت قدور عمر تقوم إليها العمال من السحر يعملون الكركور ويعملون العصائد. وعن أسلم قال: كنا نقول: لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت. وقال سفيان الثوري: من زعم أن علياً كان أحق بالولاية من أبي بكر وعمر فقد خطأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار. وقال شريك: ليس يقدم علياً على أبي بكر وعمر أحد فيه خير. وقال أبو أسامة: تدرون من أبو بكر وعمر هما أبو الإسلام وأمه. وقال الحسن بن صالح بن حي: سمعت جعفر بن محمد الصادق يقول: أنا بريء ممن ذكر أبا بكر وعمر إلا بخير.) تزوج زينب بنت مظعون، فولدت له عبد الله، وحفصة، وعبد الرحمن. وتزوج مليكة الخزاعية، فولدت له عبيد الله، وقيل أمه وأم زيد الأصغر أم كلثوم بنت جرول. وتزوج أم حكيم بنت الحارث بن هشام
27

(3/274)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 275
المخزومية، فولدت له فاطمة. وتزوج جميلة بنت عاصم بن ثابت فولدت له عاصماً. وتزوج أم كلثوم بنت فاطمة الزهراء وأصدقها أربعين ألفاً، فولدت له زيداً ورقية. وتزوج لهية امرأة من اليمن فولدت له عبد الرحمن الأصغر. وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل التي تزوجها بعد موته الزبير. وقال الليث بن سعد: استخلف عمر فكان فتح دمشق، ثم كان اليرموك سنة خمس عشرة، ثم كانت الجابية سنة ست عشرة، ثم كانت إيلياء وسرغ لسنة سبع عشرة، ثم كانت الرمادة وطاعون عمواس سنة ثماني عشرة، ثم كانت جلولاء سنة تسع عشرة ثم كان فتح باب ليون وقيسارية بالشام، وموت هرقل سنة عشرين، وفيها فتحت مصر، وسنة إحدى وعشرين فتحت نهاوند، وفتحت الإسكندرية سنة اثنتين وعشرين. وفيها فتحت إصطخر وهمذان. ثم غزا عمرو بن العاص أطرابلس المغرب. وغزوة عمورية وأمير مصر وهب بن عمير الجمحي، وأمير أهل الشام أبو الأعور سنة ثلاث وعشرين. ثم قتل عمر مصدر الحاج في آخر السنة. قال خليفة: وقعة جلولاء سنة سبع عشرة.
27

(3/275)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 276
وقال سعيد بن المسيب: إن عمر لما نفر من منى أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة من بطحاء واستلقى ورفع ديه إلى السماء، ثم قال: اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط فما انسلخ ذو الحجة حتى طعن فمات. وقال أبو صالح السمان: قال كعب لعمر: أجدك في التوراة تقتل شهيداً، قال: وأنى لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب وقال أسلم، عن عمر أنه قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك. أخرجه البخاري. وقال معدان بن أبي طلحة اليعمري: خطب عمر يوم جمعة وذكر نبي الله وأبا بكر ثم قال: رأيت كأن ديكاً نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن قوماً يأمروني أن أستخلف وأن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. وقال الزهري: كان عمر لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة) وهو على الكوفة يذكر له غلاماً عنده صنعاً
27

(3/276)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 277
ويستأذنه أن يدخل المدينة ويقول: إن عنده أعمالاً كثيرة فيها منافع للناس: إنه حداد نقاش نجار، فأذن له أن يرسل به، وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشهر، فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج، فال: ما خراجك بكثير. فانصرف ساخطاً يتذمر، فلبث عمر ليالي ثم دعاه فقال: ألم أخبر أنك تقول: لو شاء لصنعت رحى تطحن بالريح فالتفت إلى عمر عابساً وقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فلما ولي قال عمر لأصحابه: أوعدني العبد آنفاً. ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس. وقال عمرو بن ميمون الأودي: إن أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان وطعن معه اثني عشر رجلاً، مات منهم ستة، فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوباً، فلما اغتم فيه قتل نفسه. وقال عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: جئت من السوق وعمر يتوكأ علي، فمر بنا أبو لؤلؤة، فنظر إلى عمر نظرة ظننت أنه لولا مكاني لبطش به، فجئت بعد ذلك إلى المسجد الفجر فإني لبين النائم واليقظان، إذ سمعت عمر يقول: قتلني الكلب، فماج الناس ساعة، ثم إذا قراءة عبد الرحمن بن عوف. وقال ثابت البناني، عن أبي رافع: كان أبو لؤلؤة عبداً للمغيرة يصنع الأرحاء، وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم، فلقي عمر فقال: يا
27

(3/277)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 278
أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل علي فكلمه، فقال: أحسن إلى مولاك، ومن نية عمر أن يكلم المغيرة فيه، فغضب وقال: يسع الناس كلهم عدله غيري، وأضمر قتله واتخذ خنجراً وشحذه وسمه، وكان عمر يقول: أقيموا صفوفكم قبل أن يكبر، فجاء فقام حذاءه في الصف وضربه في كتفه وفي خاصرته، فسقط عمر، وطعن ثلاثة عشر رجلاً معه، فمات منهم ستة، وحمل عمر إلى أهله وكادت الشمس أن تطلع، فصلى ابن عوف بالناس بأقصر سورتين، وأتي عمر بنبيذ فشربه فخرج من جرحه فلم يتبين، فسقوه لبناً فخرج من جرحه فقالوا: لا بأس عليك، فقال: إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت، فجعل الناس يثنون عليه ويقولون: كنت وكنت، فقال: أما والله وددت أني خرجت منها كفافاً لا علي ولا لي وأن صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت لي. وأثنى عليه ابن عباس، فقال: لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من هول المطلع، وقد) جعلتها شورى في عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد. وأمر صهيباً أن يصلي بالناس، وأجل الستة ثلاثاً. وعن عمرو بن ميمون أن عمر قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي
27

(3/278)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 279
بيد رجل يدعي الإسلام ثم قال لابن عباس: كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر العلجوم بالمدينة. وكان العباس أكثرهم رقيقاً. ثم قال: ييا عبد الله أنظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوها، فقال: إن وفى مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فاسأل في بني عدي فإن لم تف أموالهم فسل في قريش، إذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه، فذهب إليها فقالت: كنت أريده تعني المكان لنفسي ولاؤثرنه اليوم على نفسي، قال: فأتى عبد الله فقال: قد أذنت لك، فحمد الله. ثم جاءت أم المؤمنين حفصة والنساء يسترنها، فلما رأيناه قمنا، فمكثت عنده ساعة، ثم استأذن الرجال فولجت داخلة ثم سمعنا بكاءها. وقيل له: أوص يا أمير المؤمنين واستخلف، قال: ما أرى أحداً أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى الستة وقال: يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خانة، ثم قال: أوص الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصه بالمهاجرين والأنصار، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، في مثل ذلك من الوصية. فلما توفي خرجنا به نمشي، فسلم عبد الله بن عمر وقال: عمر يستأذن، فقالت عائشة: أدخلوه، فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه.
28

(3/279)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 280
فلما فرغ من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عببد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمر إلى علي وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، قال: فخلا هؤلاء الثلاثة فقال عبد الرحمن: أنا لا أريدها فأيكما تبرأ من هذا الأمر ونجعله إله والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه وليحرصن على صلاح الأمة، قال: فكت الشيخان عل وعثمان، فقال عبد الرحمن: اجعلوه إلي والله علي لا آلو عن أفضلكم، قالا: نعم فخلا بعلي وقال: لك من القدم في الإسلام) والقرابة ما قد علمت، الله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن، قال: ثم خلا بالآخر فقال له كذلك، فلما أخذ ميثاقهما بايع عثمان وبايعه علي. وقال المسور بن مخرمة: لما أصبح عمر من الغد، وهو مطعون فزعوه فقالوا: الصلاة، ففزع وقال: نعم ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وجرحه يثقب دماً. وقال النضر بن شميل: ثنا أبو عامر الخزار، عن بن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: لما طعن عمر جاء كعب فقال: والله لئن دعا أمير المؤمنين لبقينه الله وليرفعنه لهذه الأمة حتى يفعل كذا وكذا. حتى ذكر المنافقين فيمن ذكر، قال: قلت: أبلغه ما تقول قال: ما قلت إلا وأنا أريد أن تبلغه، فقمت وتخطيت الناس حتى جلست عند رأسه فقلت: إن كعباً يحلف بالله لئن دعا أمير المؤمنون ليبقينه الله وليرفعنه لهذه الأمة، قال: ادعوا كعباً فدعوه فقال: ما تقول قال: أقول
28

(3/280)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 281
كذا وكذا، فقال: لا والله لا أدعو الله ولكن شقي عمر إن لم يغفر الله له، قال: وجاء صهيب فقال: واصفياه واخليلاه واعمراه، فقال: مهلاً يا صهيب أو ما بلغك أن المعول عليه يعذب ببعض بكاء أهله عليه. وعن ابن عباس قال: كان أبو لؤلؤة مجوسياً. وعن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال ابن عمر: يا أمير المؤمنين ما عليك لو أجهدت نفسك ثم أمرت عليهم رجلاً فقال عمر: أقعدوني. قال عبد الله: فتمنيت أن بيني وبينه عرض المدينة فرقاً من حين قال أقعدوني. ثم قال: من أمرتم بأفواهكم قلت: فلاناً، قال: إن تؤمروه فإنه ذو شيبتكم، ثم أقبل على عبد الله فقال: ثكلتك أمك أرأيت الوليد ينشأ مع الوليد وليداً وينشأ معه كهلاً، أتراه يعرف من خلقه فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فما أنا قائل لله إذا سألني عمن أمرت عليهم فقلت: فلاناً، وأنا أعلم منه ما أعلم فلا والذي نفسي بيده لأرددنها إلى الذي دفعها إلي أول مرة، ولوددت أن عليها من هو خير مني لا ينقصني ذلك مما أعطاني الله شيئاً. وقال سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: دخل على عمر عثمان، وعلي، والزبير، وابن عوف، وسعد وكان طلحة غائباً فنظر إليهم ثم قال: إني قد نظرت لكم في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقاً إلا أن يكون فيكم، ثم قال: إن قومكم إما يؤمروا أحدكم أيها الثلاثة، فإن كنت على شيء من أمر الناس يا عثمان فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس، وإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن فلا تحملن أقاربك
28

(3/281)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 282
على رقاب الناس. وإن كنت على شيء) من أمر الناس يا علي فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا وامروا أحدكم، فقاموا يتشاورون. قال ابن عمر: فدعاني عثمان مرة أو مرتين ليدخلني في الأمر ولم يسمني عمر، ولا والله لقلما سمعته حول شفتيه بشيء قط إلا كان حقاً، فلما أكثر عثمان دعائي قلت: ألا تعقلون تؤمرون وأمير المؤمنين حي فوالله لكأنما أيقظتهم، فقال عمر: أمهلوا فإن حدث بي حدث فليصل للناس صهيب ثلاثاً ثم اجمعوا في اليوم الثالث أشراف الناس وأمراء الأجناد فأمروا أحدكم، فمن تأمر عن غير مشورة فاضربوا عنقه. وقال ابن عمر: كان رأس عمر في حجري فقال: ضع خدي على الأرض، فوضعته فقال: ويل لي وويل أمي إن لم يرحمني ربي. وعن الحويرث قال: لما مات عمر ووضع ليصلى عليه اقتتل علي وعثمان أيهما يصلي عليه، فقال عبد الرحمن: إن هذا لهو الحرص على الإمارة، لقد علمتما ما هذا إليكما ولقد أمر به غيركما، تقدم يا صهيب فصل عليه. فصلى عليه. وقال أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر قال: وضع عمر بين القبر والمنبر، فجاء علي حتى قام بين الصفوف فقال: رحمة الله عليك ما من خلق أحب إلي من أن ألقى الله صحيفته بعد صحيفة النبي صلى الله عليه وسلم من هذا
28

(3/282)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 283
المسجى عليه ثوبه. وقد روي نحوه من عدة وجوه عن علي. وقال معدان بن أبي طلحة: أصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، وكذا قال زيد بن أسلم وغير واحد. وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: إنه دفن يوم الأحد مستهل المحرم. وقال سعيد بن المسيب: توفي عمر وهو ابن أربع أو خمس وخمسين سنة، كذا رواه الزهري عنه. وقال أيوب، وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: مات عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة. كذا قال سالم بن عبد الله، وأبو الأسود يتيم عروة وابن شهاب. وروى أبو عاصم، عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه: سمعت عمر قبل أن يموت بعامين أو نحوهما يقول: أنا ابن سبع أو ثمان وخمسين. تفرد به أبو عاصم.) وقال الوادي: نا هاشم بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: توفي عمر وله ستون سنة. قال الواقدي: هذا أثبت الأقاويل، وكذا قال مالك.
28

(3/283)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 284
وقال قتادة: قتل عمر وهو ابن إحدى وستين سنة. وقال عامر بن سعد البجلي، عن جرير بن عبد الله سمع معاوية يخطب ويقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وعمر وهما ابنا ثلاث وستين. وقال يحيى بن سعيد: سمعت سعيد بن المسيب قال: قبض عمر وقد استكمل ثلاثاً وستين. وقد تقدم لابن المسيب قول آخر. وقال الشعبي مثل قول معاوية. وأكثر ما قيل قول ابن جريج، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس: قبض عمر وهو ابن ست وستين سنة والله أعلم.
28

(3/284)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 285
2 (ذكر من توفي في خلافة عمر)

2 (رضي الله عنهمجملاً)
الأقرع بن حابس التميمي المجاشعي، أحد المؤلفة قلوبهم وأحد الأشراف، أقطعه أبو بكر له ولعيينة بن بدر، فعطل عليهما عمر ومحا الكتاب الذي كتب لهما أبو بكر، وكانا من كبار قومهما، وشهد الأقرع مع خالد حرب أهل العراق وكان على المقدمة.
28

(3/285)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 286
وقيل إن عبد الله بن عامر استعمله على جيش سيره إلى خراسان فأصيب هو والجيش بالجوزجان وذلك في خلافة عثمان. وقال ابن دريد: اسمه فراس بن حابس بن عقال، ولقب الأقرع لقرع برأسه. الحباب بن منذر بن الجموح أبو عمرو الأنصاري، أحد بني سلمة بن سعد، وقيل كنيته أبو عمر، وكان يقال له ذو الرأي. أشار يوم بدر على النبي أن ينزل على آخر ماء ببدر ليبقى المشركون على غير ماء، وهو الذي قال يوم سقيفة بني ساعدة: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير. والجذل: هو عود ينصب للإبل الجربى لتحتك به. والعذق: النخلة، والمرجب: أن تدعم النخلة الكريمة ببناء من الحجارة أو خشب إذا خيف عليها لكثرة حملها أن تقع، يقال: رجبتها فهي مرجبة.)
28

(3/286)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 287
روى عنه أبو الطفيل. توفي بالمدينة في خلافة عمر. ت ن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو أروى. وأمه غزية بنت قيس الفهرية. له صحبة، وهو من مسلمة الفتح. روى عنه ابنه عبد المطلب، وله أيضاً صحبة. خ د ن سودة بنت زمعة بن قيس أم المؤمنين القريشية العامرية، أول من تزوج بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت
28

(3/287)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 288
خديجة وكانت قبله عند السكران أخي سهيل بن عمرو العامري، ولما تكهلت وهبت يومها لعائشة لتكون من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. روى عنها ابن عباس، ويحيى بن عبد الله الأنصاري. وتوفيت في آخر خلافة عمر، وقد انفردت بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين لا تشاركها فيه امرأة ولا سرية، ثم بنى بعائشة بعد، ولها تسع سنين، وكانت سودة من سادات النساء. قال هاشم بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة من امرأة فيها حدة، فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة. وقال الواقدي: ثنا محمد بن عبد الله بن مسلم، ثنا أبي قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة في رمضان سنة عشر من النبوة بعد وفاة خديجة، وهاجر بها. وتوفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين. قال الواقدي: وهذا الثبت عندنا.
28

(3/288)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 289
وروى عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال قال: توفيت سودة زمن عمر. عتبة بن مسعود الهذلي أخو عبد الله لأبويه، وهو جد الفقيه عبيد الله بن عبد الله شيخ الزهري. أسلم بمكة وهاجر إلى الحبشة مع أخيه، وشهد أحداً وكان فقيهاً فاضلاً. توفي في إمرة عمر على الصحيح، ويقال زمن معاوية. علقمة بن علاثة بن عوف العامري الكلابي، من المؤلفة قلوبهم.)
29

(3/289)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 290
أسلم على يد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أشراف قومه، وكان يكون بتهامة، وقد قدم دمشق قبل فتحها في طلب ميراث له، ووفد على عمر في خلافته. روى عنه أنس. علقمة بن مجزز بن الأعور المدلجي. استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على بعض جيوشه، وولاه الصديق حرب فلسطين، وحضر الجابية مع عمر، ثم سيره عمر في جيش إلى الحبشة في ثلاثمائة، فغرقوا كلهم، وقيل كان ذلك في أيام عثمان بن عفان. وأبوه مجزز هو المعروف بالقيافة. خ م ت ن ق عمرو بن عوف حليف بني عامر من لؤي، من مولدي مكة، سماه ابن إسحاق عمراً، وسماه موسى بن عقبة عميراً. شهد بدراً وأحداً. وروى عنه المسور بن مخرمة حديث قدوم أبي عبيدة بمال من البحرين، أخرجه البخاري، وصلى عليه عمر.
29

(3/290)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 291
ق عويم بن ساعدة بن عائش أبو عبد الرحمن الأنصاري، أحد بني عمرو بن عوف. بدري مشهور، وقيل هو من بلي، له حلف في بني أمية بن زيد، وقد شهد العقبة أيضاً. وله حديث في مسند أحمد من رواية شرحبيل بن سعد عنه، ولم يدركه.
29

(3/291)


تاريخ الإسلام للذهبي الجزء الثالث الصفحة 292
وقال ابن عبد البر: توفي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل مات في خلافة عمر فقال وهو واقف على قبره: لا يستطيع أحد أن يقول: أنا خير من صاحب هذا القبر، ما نصبت لرسول الله راية إلا وعويم تحتها. عمارة بن الوليد أخو خالد بن الوليد المخزومي. قال الولقدي: حدثني عبد الله بن جعفر، عن أبي عون قال: لما كان من أمر عمرو بن العاص ما كان بالحبشة، وصنع النجاشي بعمارة بن الوليد ما صنع، وأمر السواحر فنفخن في إحليله، فهام مع الوحش، فخرج إليه في خلافة عمر عبد الله بن أبي ربيعة ابن عمه فرصده على ماء بأرض الحبشة كان يرده فأقبل في حمر الوحش، فلما وجد ريح الإنس هرب حتى إذا جهده العطش ورد فشرب، قال عبد الله: فالتزمته فجعل